قرآن الإخوان

كتب: عبدالفتاح فرج

قرآن الإخوان

قرآن الإخوان

كتابٌ يُقدّسه المسلمون ويؤمنون به، يضم بين دفتيه 114 سورة مكية ومدنية، أنزله الله على لسان ملك الوحى «جبريل» إلى النبى «محمد»، صلى الله عليه وسلم، على مدار 23 سنة، وهو وحى الله المنزل على النبى «محمد» للبيان والإعجاز، المنقول عنه بالتواتر والمتعبّد بتلاوته، وهو آخر الكتب السماوية بعد صحف «إبراهيم» والزبور والتوراة والإنجيل، وهو أرقى الكتب العربية لغوياً ودينياً لما يجمعه من إعجاز وبلاغة وبيان وفصاحة، ورغم أن آياته واحدة وكلماته متماسكة، فإن هناك جماعات سياسية، تتعمّد تأويل معانيه حسب هواها السياسى والفكرى والعقائدى، وتستخدم هذه النصوص والتفسيرات فى خدمة أغراضها السياسية والدنيوية، وهو من ذلك برىء. يزيد عمر الإسلام على 1400 عام، لكن جماعة الإخوان التى لم يزد عمرها على 90 عاماً، تحل لنفسها أن تفسّر بعض آيات القرآن، حسب هواها الشخصى والسياسى، وهو احتكار مرفوض من قِبل العلماء والعامة. فى عام 1946، خالفت جماعة الإخوان فى عهد حسن البنا، إجماع كل القوى الوطنية الرافضة لإسماعيل صدقى رئيساً للوزراء واستندت فى موقفها إلى تأويل الآية الكريمة «وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا»، وكان ذلك مقابل الحصول على ترخيص جريدة، طبقاً لما جاء فى مذكرات «أيمن الظواهرى» زعيم تنظيم القاعدة. ويُعتبر مؤسس جماعة الإخوان «حسن البنا» أول من ارتكب أخطاءً ظاهرة فى تفسير القرآن الكريم، وظهر ذلك جلياً فى رسائله التى كان يوجهها إلى أعضاء جماعته وفى مقالاته فى الصحف. وكتب فى مجلة «المنار» ليُعلن عن دخوله عالم تفسير القرآن، وقال «لا بد لمثل هذه المجلة أن تتناول تفسير القرآن الكريم وعلومه كأول مصدر من مصادر الإسلام الحنيف وأقدمها وأهمها، ولقد فكّرت طويلاً فى المدخل الذى ألج منه هذا الميدان الفسيح المتشعّب النواحى، وخطر لى أن أتناول تفسير المنار، فأبدأ من حيث انتهى صاحبه السيد رشيد رضا، رحمه الله، خصوصاً وقد بدأت بذلك فعلاً حين أُسند تحرير (المنار) وإصدارها إلى (الإخوان) سنة 1940 ميلادية، فكتبت فى تفسير صدر سورة (الرعد)، وعطلت المجلة بعد صدور 6 أعداد كانت تمام المجلد الخامس والثلاثين. ولكن رأيت أن ذلك ليس من حقى الآن، وعلمت أن بعض حضرات أصحاب الفضيلة من علمائنا الأجلاء على هذا العزم الطيب، وهم بحمد الله أقدر على تمامه للفسحة فى الوقت والتمكّن من الأمر أكثر مما أجد ذلك من نفسى، فعدلت عن ذلك إلى الكتابة فى التفسير على نهج كنت جريت عليه من قبل فى بعض دروسى ومحاضراتى للإخوان، وذلك بأن أتناول المقاصد العامة فى القرآن الكريم، حسب ما يلهمنى الله إياه من فهم وتدبّر وفقه، وذلك ابتداءً من فاتحة الكتاب الكريم إلى خاتمته إن شاء الله، فأكون بذلك قد جمعت بين الحرص على الترتيب والإفادة من حيث وحدة الموضوع بقدر الإمكان، وإذا أعان الله على هذا العمل وباركه فسيكون عنوانه إن شاء الله (مقاصد القرآن الكريم)». استخدم «حسن البنا» كذلك آية «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ» فى التدليل على غياب خشوع المصلين فى المساجد، وقال «هذه المساجد الشامخة القائمة التى يعمرها الفقراء والعاجزون، فيؤدون فيها ركعات خالية من معانى الروحانية والخشوع إلا من هدَى الله». ويُعد كتاب «سيد قطب» عضو جماعة الإخوان «فى ظلال القرآن» من أهم الكتب التى تعرّضت لانتقادات كثيرة من قِبل العلماء والمفسّرين، رغم اعترافهم بأنه كتاب يجمع بين الجانب التحليلى والبلاغى والأدبى والاجتماعى، وقسّمه «قطب» إلى 30 جزءاً حسب تقسيم أجزاء القرآن وبالترتيب نفسه، وطبع عدة مرات فى مجلدات.[FirstQuote] قال عنه الشيخ بكر أبوزيد فى أحد مؤلفاته: «فى ظلال القرآن» مع فائدته، فيه مواضع تقتضى التنبيه، ومنها عبارات وألفاظ تسمح فى إطلاقها، منها كلمة «التفت» فى تفسير سورة «العلق» حيث قال «إن الله قد تكرّم فى عليائه، فالتفت إلى هذه الخليقة»، ورد عليه «أبوزيد» قائلاً «والله سبحانه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، صلى الله عليه وسلم، فلا يطلق الالتفات على الله إلا حيث ورد النص، وما لا يعلم وروده، فيترك»، كما فنّد تسميته الزكاة بتعبير «ضريبة اجتماعية»، وقال: «الأسماء الشرعية بنص القرآن والسنة، لا يجوز تغييرها ولا العدول عنها، وإن استبدالها باسم آخر فيه هجر للاسم الشرعى، واستدراك على الشرع، ومنابذة ظاهرة لما ذكره الله ورسوله، مع ما فى ذلك من انفصام بين المسلم وكتب السلف». يقول أحمد بان، الباحث فى شئون الجماعات الإسلامية: إن «قيادات الإخوان يستشهدون بالآيات القرآنية لتحقيق أهداف الجماعة، ومن بينها قوة ترابط (التنظيم) والحفاظ على قوامه، وهذا تعسّف واحتكار فى استخدام الأدلة القرآنية، لأنها تخاطب المسلمين كافة ولا تخاطب جماعة بعينها، هؤلاء يعملون على إسقاط أحكام المسلمين المنزّلة فى القرآن عليهم فقط، وهذا المثال يتضح فى استخدامهم آية (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)». وأضاف «بان»: «يستخدم الإخوان أيضاً آية (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، للإشارة إلى ضرورة وجود من ينقل الدعوة ويدعو إلى القيم الدينية من الإخوان. كما تستخدم الجماعات الإرهابية المتشدّدة مثل (داعش) آية «يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فى تبرير أعمالهم الإجرامية مثل القتل والتدمير وجز الرؤوس». أما كتاب «سيد قطب» «فى ظلال القرآن»، فيقول عنه «بان»: «هو أقرب إلى التأملات الأدبية والنفسية، وينظر فى آيات القرآن على أننا نعيش فى الجاهلية، وأن الإسلام لم يعد موجوداً، ومن سيوجده هو جيل القرآن الكريم والقواعد التى يدعون إليها». ويقول عمرو فاروق، الباحث فى شئون الجماعات الإسلامية: «عمد الإخوان خلال مسيرتهم إلى استنطاق آيات القرآن الكريم والسيرة النبوية، وفقاً لما يتفق مع أهوائهم وآرائهم، ويستنبطون من الدين ما يجرى على حالهم وأمر دنياهم، من باب إضفاء الشرعية والقداسة على منهجهم، وآراء قادتهم وتحركاتهم على المستوى السياسى والتربوى، فوضعوهم فى منزلة الأنبياء والرسول والصحابة الكرام. وكأنما أنزل القرآن عليهم لا على الرسول، صلى الله عليه وسلم، فاتخذوا من القرآن تفسيراً يجعل منهم حراساً على العقيدة والفكر، ويعلى شأنهم ويحقر من قدر خصومهم، فتجدهم قد توحّدوا ذاتياً مع الإسلام، حتى أصبحوا فوق الإسلام شرعاً ومنهاجاً، فيعرضون الآيات ومواضع التنزيل، ومواقف السيرة النبوية العطرة، على حال جماعتهم، ويستنبطون منها ما يرسّخ لمواقفهم وآراء مشايخهم. فتجد قوله تعالى (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)، وكأنما نزلت لقادة الإخوان تأييداً من الله لدحض مخالفيهم، أما قوله تعالى (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)، غالباً ما يتم استخدامه عقب الاعتقالات والمواجهات، للتدليل على أن الجماعة تُمتحن حتى ينفى الله خبثها، من كل من يحمل بين جنباته اعتراضاً على أقوال القادة، أو تخاطبه نفسه بمخالفة الأوامر». يضيف «فاروق»: «لم ينته الأمر عند هذا الحد، لكنهم يطرحون الآية عند الحديث عن المنشقين الذى فضّلوا البقاء خارج صفوف الجماعة وتنظيمها، وأن الله علم بخبثهم، فلفظهم خارج دعوته التى لا تتسع سوى للأنقياء الأطهار الطيبين، الذين جعلوا من السمع والطاعة عنواناً لهم، امتثالاً لله ولدعوته، ولم تكن مواقف (قوم لوط)، ببعيدة كل البعد عن قاموس الإخوان فى تلوين واستنباط المواقف وفق ما يخدم أهدافهم، فيجعلون من قوله تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)، عنواناً للصراع مع الأنظمة والحكومات، وكل من يختلف معهم، كونهم وحدهم على الحق وغيرهم على الباطل، وهنا ترتسم ملامح الصراع بين قوى الحق التى يمثلها الإخوان وقوى الباطل التى يمثلها المجتمع بألوانه وأطيافه. وكذلك قوله تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ)، ويفسرها الإخوان فى كتاباتهم وجلساتهم على أنها وعد الله لهم ولجماعتهم بالتمكين والنصر والوصول إلى السلطة وسيادة العالم، بعدما تعرضوا للعذاب والتضييق والاعتقالات».