"مثلث الإرهاب" المعاناة فى رفح وزويد:من لم يمت بـ القذائف.. مات قهراً
صورة مأساوية، تظهر ملامحها على حدود منطقة الشيخ زويد ورفح، وتتضح الصورة بعد عبورك كمين «الريسة» شرق العريش أو كمين المزرعة جنوب العريش، لتدخل مركز الشيخ زويد.. أشجار الزيتون مجرفة على جانبى الطريق، ومبانٍ لم يتبق منها سوى أطلال، وأخرى مدمرة، فى مشهد يعكس رسالة موجزة عن أوضاع السكان فى تلك المنطقة التى تتعرض إلى أكبر مأساة فى تاريخهم، مرت عليهم ثلاث حروب، إلا أن معاناتهم اليوم أكثر، فالمشهد غاية فى الحزن؛ بعضهم ترك منزله ورحل إلى المناطق الأكثر هدوءاً، وبعضهم أصر على البقاء فى منزله رغم المخاطر التى يتعرض لها يومياً، إما الموت البطىء لعدم وجود رعاية صحية، أو قذيفة قد تودى بحياة أسرة بكاملها فى لحظة.
أبسط حقوق البشر يفتقدها أهالى الشيخ زويد ورفح، والمسئولون يعترفون بتقصيرهم فى تقديم الخدمات، فالمعركة الدائرة بين الإرهابيين والجيش لا تعطيهم حرية التحرك لتقديم الخدمات، فالمنطقة أشبه بمنطقة حرب، جمعيات حقوق الإنسان تتجاهل هؤلاء السكان ولم تتحرك جمعية واحدة لمساعدة المواطنين الذين يفتقرون لأبسط مقومات الحياة، رغم معاناة مئات الأسر التى رفضت النزوح وترك منازلها.
«الحياة أشبه بالبدائية، فلا وجود للغاز أو المياه.. لا وجود لمقومات الحياة».. هكذا بدأ الشيخ عارف أبوعكر من قرية «العكور»، بمركز الشيخ زويد حديثه واصفاً الأوضاع، متابعاً: «المواطن بالشيخ زويد محروم من جميع الخدمات فالمياه لا تصل إلى القرى والوحدات الصحية ومستشفى الشيخ زويد خارج الخدمة، سيارات الإسعاف لا تتحرك ناحية القرى لإنقاذ المرضى والجرحى، أكثر من 250 محلاً تجارياً بمدينة الشيخ زويد مغلق منذ ما يقرب من عامين بسبب الحرب على الإرهاب بعلم المسئولين ورغم كل ذلك تقوم الحكومة بفرض الضرائب والتأمينات على أصحاب تلك المحال.
سليم محمد، من مدينة الشيخ زويد، يقول: «تعتبر الشيخ زويد من أكبر المدن والمراكز فى شمال سيناء من حيث عدد السكان والتمدد العمرانى، ومع ذلك مستوى الخدمات فيها لا يرقى لمستوى قرية صغيرة، فالوضع الصحى بها متدهور للغاية، والمستشفى المركزى يعانى من نقص فى جميع الخدمات حيث لا يوجد أطباء ولا أجهزة طبية علاوة على أن مساحة كبيرة من المستشفى لا تصل لها الكهرباء، كما أن مستوى النظافة فى المستشفى متدنٍ وينذر بتفشى الأمراض، ناهيك عن معاناة أغلبية سكان المدينة من نقص مياه الشرب بسبب الانقطاع الدائم لها، مما يدفع السكان إلى شراء فنطاس مياه بتكلفة 200 جنيه للفنطاس الواحد».
وتابع: «لم يتم تجديد وإحلال محولات الكهرباء منذ عشرات السنين، مما أدى إلى تعطلها بشكل متكرر وانقطاع شبه دائم للتيار بسبب الأحمال الزائدة، كما تم غلق مستودع الغاز الرئيسى بالمدينة، واضطر السكان للجوء إلى العريش ودفع مبالغ طائلة لتغيير الأسطوانات، بالإضافة إلى غلق محطات الوقود الذى أدى إلى ارتفاع تعريفة الأجرة داخل المدينة بسبب اضطرار السائقين للسفر للعريش لتموين السيارات، مما يشكل عبئاً إضافياً على المواطن».
سعيد زايد، من منطقة رفح، أكد أن الأهالى يضطرون للسفر أكثر من خمسين كيلومتراً، مروراً بالطرق الالتفافية والكمائن الثابتة والمتحركة لتغيير أسطوانات الغاز وتموين سياراتهم بالوقود، لافتاً إلى أن الدولة تناست الأهالى، مشيراً إلى أن المدينة يخدم سكانها 3 أطباء فى عشر وحدات صحية، أضف إلى ذلك غياب الطلاب عن المدارس وعدم انتظام المدرسين فى الحضور، وهو ما أدى إلى ارتباك واضح فى انتظام العملية التعليمية، ولفت إلى أن الأوضاع فى سيناء جعلت تجار الخضراوات والفاكهة يحجمون عن الشراء من حدائق الفاكهة، وهو ما أدى إلى انخفاض أسعار المحاصيل حتى إن البرتقال البلدى لم يجد من يشتريه ووصل سعر الكيلو إلى 25 قرشاً. وفى الشيخ زويد، لم يختلف الحال كثيراً عن رفح من حيث عدم وجود خدمات وانقطاع المياه والكهرباء، وهو ما أكده موسى سالم، من سكان المدينة، لافتاً إلى أن المحلات التجارية أغلقت أبوابها، علاوة على توقف الخدمة بمحطات الوقود، وقال حسن حنتوش، ناشط سياسى من مدينة الشيخ زويد: أهم المشكلات التى كنا نعانى منها نقص مياه الشرب، مما جعل الناس تلجأ إلى أساليب بدائية للحصول على المياه من خلال جلبها من بعض الآبار الجوفية بطريقة ملء «الجراكن» دون فلترة أو تعقيم، وهو الأمر الذى تسبب فى انتشار أمراض مزمنة مثل الفشل الكلوى والتهاب الكبد الوبائى بالتزامن مع خلو المستشفيات والوحدات الصحية التابعة للدولة من الأجهزة الخاصة بعلاج كثير من الأمراض والحالات الحرجة والكوادر الطبية المتخصصة، وهو الأمر الذى يدفع أكثر من 216 ألف نسمة للجوء إلى المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للمحافظات الأخرى للحصول على رعاية صحية ملائمة وآدمية.
ويقول خالد السواركة، من قرية الظهير: «نعيش حياة مأساوية والناس يحتاجون إلى أبسط حقوق البشر؛ الماء والصحة والحياة، والشيخ زويد لا يوجد بها مستشفى ولا حتى إسعاف ولا مياه للشرب، فالأهالى يعيشون حالة مزرية جداً من حيث الخدمات والتحرك على الطرق.. كل مواطن فى الشيخ زويد مشروع شهيد، وقد يفاجأ بقذيفة اخترقت المنزل لتقتل من فيه، علاوة على أن الحصول على المياه أصبح من المستحيلات، ففناطيس المياه لا تتحرك خشية تعرضها للخطف على يد العناصر المسلحة، وسيارات الإسعاف لا تصل إلى المنطقة جنوب الشيخ زويد بعد أن تعرضت إحدى السيارات للسرقة على أيدى المسلحين.. باختصار الحياة معدومة والمسئولون ودن من طين وودن من عجين».
«أبوصلاح» من جنوب رفح، لفت إلى أن الوحدات الصحية بمركز رفح لا تعمل بسبب الاشتباكات بين قوات الأمن والمسلحين وأصبح الناس يعيشون بين قذائف الدبابات وبين قذائف الهاون التى يطلقها الإرهابيون، ويكمل «أبوصلاح»: «الوصول إلى مدينة العريش غاية فى الصعوبة ونضطر أن نسلك الطرق الالتفافية غير الممهدة بعيداً عن الأكمنة الأمنية التى تقوم بإغلاق الطرق بسبب الحملات المتواصلة، فنضطر إلى الدخول على أكمنة العناصر الإرهابية وقد تكون أحد المطلوبين لديهم فيتم اختطافك، وبمجرد وصولك إلى مدينة العريش تتعرض إلى مضايقات أمنية بتهمة أن محل إقامتك المدون فى البطاقة الشخصية مدينة رفح أو الشيخ زويد، وقد تتعرض إلى الاحتجاز لساعات ليتم التحرى عنك أو إيداعك أحد المعسكرات دون أن تعرف مصيرك».
وأشار محمد أبوسالم، من قرى جنوب رفح، إلى أن الأهالى يبحثون عن أبسط حقوق البشر، وهى المياه والصحة والتعليم، فالخدمات معدومة بسبب الاشتباكات الدائرة بين المسلحين وقوات الجيش، ووصف المشهد بأنه معركة، الضحية فيها المواطن البسيط، والأهالى لا يجدون مسئولاً يتعرف على مأساتهم لأن هذا المسئول يخشى التحرك وسط القرى خشية سرقة سيارته من قبل المسلحين أو تعرضه لطلقة طائشة أو إلى قذيفة مجهولة.
وتابع قائلاً: «المواطن فى قرى جنوب رفح معرض للموت فى أى لحظة إذا أصيب بأى مرض، فعليه أن يتألم طوال الليل حتى يمكن التحرك به إلى المستشفى، لأن سيارات الإسعاف لا تتحرك لإنقاذ أى مريض، ولهذا فأصحاب الأمراض المزمنة يضطرون إلى ترك منازلهم ليسكنوا فى العريش لمتابعة الحالة الصحية التى قد تتدهور فى أى لحظة».
وأوضح محمد أبولافى، من قرية قبر عمير، أن فناطيس مياه الشرب تختفى كالعادة والكهرباء تنقطع على فترات، والوحدة الصحية متوقفة بسبب الأحداث الأمنية، وتابع: «المدرسون لا يصلون إلى المدارس بسبب خطورة الموقف لأنهم يأتون إلينا من مدينة العريش، فالمدرس يأتى يوماً واحداً فى الأسبوع وأبناؤنا التلاميذ لم يتحصلوا على أى تعليم خلال هذا الموسم الدراسى، بالإضافة إلى المعاناة التى نلاقيها عند سفرنا إلى العريش بسبب اللجوء إلى الطرق الالتفافية، وقد يستغرق وقت الوصول أكثر من 5 ساعات، على الرغم من أن الرحلة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة فى الأوقات الطبيعية».
وأضاف محمد سليم، من قرية الخروبة: «لا نريد ماء ولا صحة نريد أن ترحمنا الدولة من القذائف المجهولة التى تسقط بعشوائية فى كل مكان، والتى أرعبت الأهالى الذين لا ينامون الليل بسبب أصوات القذائف حيث تسقط بجانب منازلنا، وفى كل مرة ننتظر أن تسقط فوق رؤوسنا، بالإضافة إلى طلقات الرصاص التى لا تتوقف بالمنطقة من الأكمنة الأمنية بصورة أرهبت النساء والأطفال، لا نريد أن نموت، احمونا من القذائف العشوائية وطلقات الرصاص فنحن مواطنون فى هذه الدولة، ألا تملكون حمايتنا من الموت المحقق؟».