"سيف الكفيف" 15 سنة يرتل القرآن في الشارع.. "لو ما قرتش في يوم بتعب"
بملابس بسيطة، وعمامة دائرية الشكل، وحذاءً بات متحملًا للألم أمام مدرسة أبوالهول الإعدادية بنين بأحد الشوارع الجانبية بالجيزة وتحديدًا الساعة السابعة والنصف مساء، يجلس رجل كفيف ممسكًا بيده عصا يتحسس بها طريقه، ملقيًا السلام على شخص يدعى "سعيد"، ويعمل "أوميجي" بمحله الصغير الكائن بجوار المدرسة، إنه عم سيف، الذي جلس في هذا المكان قرابة الـ15 عامًا.
يجلس الرجل الكفيف على قطعة كرتون باتت كرفيق رحلته الليلية التي لا تتعدى الساعتين، متربعًا عليها في وضع قارئي القرآن، واضعًا كفيه على أذنيه في هيئة أعلام القرآن، ليبدأ بعدها ترتيل آيات من سورة "النبأ" بعد أداء صلاة العشاء بأحد المساجد القريبة، يسير المارة من أمام الرجل ليضع كل منهم في يده ما هو قدر استطاعتهم، لكنه لا يشغل باله الأمر، مواصلًا ترديده لآيات القرآن.
"أنا مواليد سنة 1945 وتزوجت 5 مرات، فقدت بصري من حوالي 30 سنة حينما كنت أعمل في محل حلواني، أطول زيجة استمرت 8 سنوات وأقصر زيجة استمرت عام ونصف، وبقالي في الشارع حوالي 15 سنة وأنا بقرأ القرآن".. هكذا بدأ عم سيف حديثه لـ"الوطن"، وبملامح بدا فيها الرضا في ابتسامته التي رسمها على وجهها الدائري، قال عم سيف، إنه فقد بصره بعد أن أجرى عملية بأحد المستشفيات على يد مديرة المستشفى آنذاك، وحصل على الإبتدائية ومنها بدأ في حفظ القرآن الكريم الذي أتم حفظه عن ظهر قلب.
يشعر الرجل العجوز، بالغربة رغم أن لديه ولد وبنت، لكن صار لكل منهم بيته وحياته الخاصة، "عندي ولد وبنت وكل واحد منهم متجوز وبقالي مدة ما شفتهمش هما وعيالهم"، لكنه التمس لهما الأعذار، بقوله: "أكيد غصب عنهم كل واحد عنده ظروفة"، سويعات يقضيها الرجل الكفيف في ترتيل آيات القرآن على رصيف المدرسة وهو منشرح الصدر، واصفًا إياها بالشفاء والراحة النفسية التي بدونها يشعر بالتعب.
ينطلق الرجل السبعيني بعد إنهاء جلسة الذكر القرآنية، بمساعدة المارة، متجهًا لسيارات السيدة زينب، ومنها إلى أقاربه، "عايش مع ناس قرايبي في السيدة عيشة، وهما اللي بيهتموا بشؤوني ومش مقصرين معايا"، وفي ساعة صفا، ينطلق لسان عم سيف بشعر العامية ليعلق على زيجاته الخمس، بقوله: "على الكل أمسي وأنا راضي وبعد خمسة بقيت فاضي.. بكره اشتكيهم للقاضي وأقوله بس أنا ذنبي إيه.. الأولة ملهاش مثيل من بعدها بقيت عليل ربك يبارك في القليل.. إسمع هقول على التانية إيه عنيها اللي شغلتني.. لأبوها راحت وشكتني.. الثالثة جاتني وقالتلي يا سيف هتعمل في الغلب إيه.. على التالتة برده أنا هتكلم ومنهن أبدًا ما أتظلم يارب منهن بقا سلم أدي واحد واتنين، جت التالتة مع رابعة وبكره راح أروح وأحلف على رابعة، الخامسة ديه مش محسوبة ما دام لسيف مش مطلوبة لها.. أم تشبه كركوبة يا قلب توبلك بقا توبة.. السادسة هجيبها لو من النوبة".
"سعيد"، الجار المسيحي الملاصق للمدرسة، هو صاحب محل صغير يعمل به "أوميجي" هو وأخيه، تحدث عن "الرجل الكفيف"، قائلًا: "بقاله سنين وهوه بييجي المكان ده ويقرأ القرآن ومن ساعتها وإحنا جيران وأصحاب"، عند ترتيل عم سيف لآيات من الذكر الحكيم، ينصت سعيد جيدًا ولا يثير غضبه عند سماع أذنيه القرآن الكريم من صديقه الكفيف قرابة الساعتين، "بدافع عنه أحيانًا لما حد يضايقه بركن عربيتي قدام المكان اللي بيقعد فيه وأنا ما بتضايقش من سماعه وهو بيقرأ القرآن".