الاسم "أرض الذهب" والواقع "أرض الخراب".. والنتيجة: هروب إلى "المجهول"
لم يكن من سمّوها قديماً «أرض الذهب» يعرفون أنها ستصبح يوماً أكثر بلاد الصعيد فقراً، وسيهجرها شبابها وفلاحوها بحثاً عن عمل فى بلاد أوروبا، يركبون البحر، ويخاطرون بحياتهم، خلال رحلة موت تتجه بوصلتها دائماً نحو سواحل إيطاليا، ليكون أهل «أبنوب»، المدينة التى تقع فى شرق أسيوط، سوقاً دائمة للعمالة المصرية فى إيطاليا.
المدينة التى يتشكل اسمها من «آب» و«نوب» ومعناهما باللغة الهيروغليفية «أرض الذهب»، تنحصر أراضيها بين نهر النيل غرباً، والجبال شرقاً، وهو ما يحرمها من زيادة مساحة أراضيها فى اتجاه الصحراء، ولكن رغم ذلك، فإن ظهيرها الصحراوى، يحوى مدينة صناعية تضم العديد من المصانع الكبرى، التى يعمل فى الغالبية العظمى منها عمال من أهل «أبنوب» وقراها، لكن ذلك لم يثنهم عن السفر إلى إيطاليا للبحث عن العمل، منذ نعومة أظافرهم، فبمجرد أن يكمل الشاب عامه الخامس عشر، يبدأ فى السعى إلى جمع الأموال الكافية لرحلة الموت نحو إيطاليا، تاركاً خلفه الأرض الزراعية للبور، والمدينة الصناعية لتتوقف مصانعها ومعداتها عن العمل. يجلس على محمود داخل أرضه بقرية «المظليطين»، حيث فتح مجرى المياه للتو لكى يسقى أرضه التى زرعها بخليط من البرسيم والبصل، وإلى جواره زوج ابنته أحمد قناوى، الذى رغم امتلاكه 7 قراريط من الأرض الجيدة، فإنه يتمنّى لو يستطيع جمع الأموال التى يطلبها السمسار ليسافر نجله أو زوج ابنته إلى إيطاليا: «الأرض مش جايبة همها»، مؤكداً أن من يمتلكون أرضاً زراعية فى أبنوب يُعدون على أصابع اليدين. ينحنى الرجل بملابسه الملطخة بالطين، والشال الذى يغطى جبهته، ليغلق قناة المياه بعدما انتهى من سقى أرضه، قائلاً «الأرض دى ورثناها عن أجدادنا»، مشيراً إلى أن سعر الأرض فى أبنوب زاد للغاية. يجذب منه «قناوى» طرف الحديث، قائلاً: «الشغل هنا مفيش ويا ريت الواحد يبقى معاه تمن السفر لإيطاليا»، خصوصاً أن العائدين من هناك تسببوا فى زيادة سعر الأرض وأسعار المعيشة بوجه عام فى بلدتهم الفقيرة، ولا مفر من حلم السفر إلى الخارج. وعلى مسافة قصيرة من الحقول، يجلس «إسماعيل محمد» على مقهى فقير للغاية، هو عبارة عن «عشة» بُنيت من الخوص والبوص وسط الأراضى الزراعية، يشرب كوباً من الشاى، ويدخن الشيشة، الشاب الثلاثينى عاد فى إجازة من إيطاليا بعد 12 عاماً من العمل هناك، لشراء منزل وقطعة أرض والبحث عن «بنت الحلال» للزواج. ويقول «إسماعيل» لـ«الوطن»: «سنى كبر والسفر أخدنى، وكان لازم أرجع أتجوز قبل قطر الجواز ما يفوتنى»، لكنه ينوى حتى بعد الزواج العودة مرة أخرى إلى إيطاليا: «مفيش حل تانى ولا تالت، حتى عشان الواحد يكوّن نفسه ويقدر يعيش عيشة كريمة».
يسوق الشاب الثلاثينى السبب الرئيسى وراء سفر أهل البلد إلى إيطاليا: «الموضوع بدأ من التسعينات»، مشيراً إلى أن «العائدين بنوا البيوت واشتروا الأراضى، وأصبحوا من كبارات البلد»، خاصة أن فرق العملة بين مصر وإيطاليا كبير، وكذلك لثقة الإيطاليين فى العمالة المصرية، «لأن المصرى بتاع شغل»، والعمل فى إيطاليا صنع من العاملين هناك أثرياء، يمتلكون الأراضى والمنازل الفاخرة: «السفر فيه فلوس كتير».
ولا يكره «إسماعيل» سماسرة الهجرة غير الشرعية رغم ما فقده البلد على أيديهم من شبان فى عرض البحر: «دول بيقدموا خدمة للبلد وأهلها.. وفى الآخر ده قرارى أنا»، رغم أنه لا يتمنى لابنه أو شقيقه أن يسلك الطريق نفسه هرباً من هذه البلدة التى يصفها بـ«المهمشة، ومعدومة الخدمات والعمل».[SecondImage]
ويجذب الرجل السبعينى الحاج «محمد يونس» أحد الكراسى الخشبية، ويجلس إلى جوار «إسماعيل»، ويقاطعه بكل عصبية، قائلاً إن «بلدته محصورة بين النيل والجبل، وأقرب مساحة صحراوية يمكن التوسّع فيها تمتلكها محافظة سوهاج، أراضى المدينة محدودة، وبدأت تتآكل مع زيادة المبانى وعدد سكان مركز أبنوب وقراه».
وعن المنطقة الصناعية، يقول الحاج «محمد» إن «مرتبات العمال بها زهيدة، ولا تكفى حياة كريمة، وهو ما يدفع العمال إلى ترك المصانع من أجل السفر إلى إيطاليا».