حين دقت الساعة الثانية، بدأ الطلاب فى الخروج من مدرسة «الصنايع» فى أبنوب، وبالقرب من بوابة المدرسة كان يقف «جعفر أيوب» مدرس اللغة العربية، يلتف حوله الطلاب.
ويقول «أيوب» لـ«الوطن» إن المدرسة تفقد سنوياً عشرات، بل مئات، التلاميذ الذين قرروا الهجرة إلى إيطاليا، حالمين بفرصة عمل هناك، ولا يحاول المعلم إثناءهم عن حلم السفر، بل يجد فيه عملا مشروعاً، فى ظل حالة الفقر التى تلم بالقرية: «خليهم يروحوا يشوفوا لقمة عيشهم فى بلاد أوروبا، علاوة على أن التعليم الصناعى لا يحقق لهم حلمهم فى حياة كريمة، وعلى الرغم من وجود مدينة صناعية قريبة، لكن لا يتخرّج طلاب مؤهلون للعمل بالمدينة».
وفى آخر قرية «عرب العوامر» بأسيوط، وحين ينحسر اخضرار الزرع، ويبدأ اصفرار الصحراء وبياض الجبال الشاهقة فى الظهور، تظهر أبراج صوامع القمح ومصانع المنتجات الغذائية، ومبانى المطاحن الكبرى، فى المدينة الصناعية بالقرية، وهى مركز صناعى يضم أكبر مصانع الأغذية والمشروبات الغازية.
وداخل أحد المطاحن، يجلس محمد هانى مدير أحد القطاعات بالمطحن، يوجّه المهندسين فى العمل إلى إصلاح بعض الأعطال التى طالت المطحن، ويقول إن «أزمة العمال إحدى الأزمات التى تواجه المدينة الصناعية، فحين بدأ المطحن فى العمل كان من مميزات المدينة وجودها بالقرب من القرى الفقيرة التى توقعنا أن تجد فى هذه المصانع مصدر رزق، لكن ما حدث هو العكس، حيث نبحث كثيراً عن العمال دون جدوى».
ويضيف «هانى» أن الكثير من العمال تركوا عملهم بعدما استطاعوا تدبير الأموال اللازمة للسفر إلى الخارج، ولذلك أصبح الآن لا يعتمد بشكل كامل على عمال «أبنوب»، ويحاول البحث فى المدن والقرى الأخرى من محافظة أسيوط عن العمال المهرة.
وعلى أبواب أحد مصانع الألبان، كان محمد سمير، مدير أحد القطاعات الإنتاجية، يستعد للرحيل بعد انتهاء عمله اليومى بالمصنع، يصافح العمال الذين يودّعونه وقد همّ باستقلال السيارة.
بوجهه البشوش، يقول «سمير» لـ«الوطن» إنه تم نقله إلى العمل فى أسيوط من الفرع الرئيسى فى مدينة السادس من أكتوبر، وكانت طموحات الشركة كبيرة للمدينة الصناعية هنا فى «عرب العوامر»، خاصة فى ظل توافر أيدٍ عاملة كانوا يثقون أنها لن تكون مدربة، لكنها ستكون أكثر حرصاً على العمل من غيرها، فى ظل الفقر الذى تعانى منه القرى المجاورة للمصنع والتابعة لمركز «أبنوب». ويوضح «سمير» بعد لحظات من الصمت أن «الشركة بدأت مشروع تأهيل وتدريب عدد كبير من أهالى هذه القرى للعمل فى مصنعها، لكن سرعان ما ترك العمال المصنع وهاجروا إلى إيطاليا، على الرغم من أن معاملة العامل المادية والأدبية فى مصانعهم بـ«عرب العوامر» مثل معاملة العامل فى القاهرة، بمنتهى الاحترام والتقدير، لكنهم يفضّلون التعرّض للموت فى عرض البحر عن العمل هنا فى وطنهم.
أمام بوابة المصنع، يجلس محمد عبدالوهاب، الذى يعمل حارساً هنا بعدما عاد من العمل فى إيطاليا، يقول إنه عاش هناك أكثر من تسع سنوات، ويضيف أن المشكلة ليست فى السمسار، ولا فى الناس، ولكن يُحمل الأزمة لضيق الرزق، حتى عمله فى ذلك المصنع لا يكفى للمعيشة، فيقبض الرجل 900 جنيه شهرياً: «يكفوا أسرة وعيال وبيت مفتوح دول»، ويؤكد أن من يسافرون إلى إيطاليا سواء كانوا صغاراً أو كباراً، مجبرون، ولا بديل عن ذلك فى قراهم، مشيراً إلى أن تلك المدينة بما تحويه من مصانع لا تعطى العامل أجراً مناسباً للمعيشة، وقلة قليلة من تلك المصانع لا تدفع أجوراً مناسبة والبقية أجور متدنية.
ويقول الشاب الثلاثينى إن قصة الهجرة بدأت منذ أكثر من 20 عاماً، وإنه قبل سنوات كنت تستطيع أن تحكم على السماسرة وتحددهم بالاسم، لكن الآن انتشروا وكثروا، مع كثرة الراغبين فى العمل هناك: «الناس اللى عايزة تسافر كترت.. البلد كلها عايزة تسافر».
بجسده النحيل، وملامحه العابثة، يقول «عبدالوهاب» إنه عاد من إيطاليا بعد أن وصل سنة لـ30 عاماً: «سنى كبر وعايز أتجوز وأعمل عيلة»، ولكن الشاب بعدما عاد ندم، فلم يجد عملاً يصرف منه على زوجته: «لو رجع بيا الزمن مش هرجع من إيطاليا»، مؤكداً أن إيطاليا هى الخلاص والملاذ الوحيد لهم لمعيشة كريمة.
لا يجد «عبدالوهاب» فى وجود المدينة الصناعية ميزة عن المدن المجاورة: «أنا عندى 12 واحد من عيلتى سافروا، حتى العمل فى المصانع هنا يحتاج لواسطة، أنا عشان أشتغل هنا جبت واسطة تشغلنى»، ويقول إن معظم الشباب يسعى للعمل هناك، والعودة لبناء بيت وقطعة أرض يزرعها: «هو كل اللى عايزه عايز يعيش».