حكم تاريخى.. "الإدارى" يحدد 9 نقاط لتجديد الخطاب الدينى
أيدت محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية الدائرة الأولى بالبحيرة، قرار وزير الأوقاف السلبى بالامتناع عن تجديد تصريح الخطابة الممنوح لأحد المنتمين إلى التيارات الدينية، وحظرت المحكمة على غير المتخصصين والجهلاء والمغرضين إفتاء الناس، وفجّرت مفاجأة من العيار الثقيل بأن هناك فراغاً تشريعياً وليس شرعياً، وانتهت إلى تحديد 9 ركائز أساسية تدور حولها أساليب وآليات تجديد الخطاب الدينى.
من جانبه، قال الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، إن هذا حكم تاريخى وضع الأمور فى نصابها، مشيراً إلى أنهم سيدرسونه ويكون ركيزة لمؤتمرهم المقبل.
وقضت المحكمة برئاسة المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين صالح كشك ووائل المغاوى نائبى رئيس مجلس الدولة، بتأييد قرار وزير الأوقاف السلبى بالامتناع عن تجديد تصريح الخطابة الممنوح لأحد المنتمين إلى التيارات الدينية بمحافظة البحيرة، وألزمت المدعى بالمصروفات.
وأضافت المحكمة أن المجتمع الدولى بأسره يمر بأزمة حقيقية نتيجة دعاة الإرهاب المنبثق من المفاهيم المغلوطة للدين لتحقيق مآرب دنيئة استشرت فى بعض الدول العربية والأفريقية والإسلامية، وتتحمّل مصر لريادتها محاربة هذا الإرهاب، بل لم تسلم دول أوروبا من أن ينالها.
وفجّرت المحكمة مفاجأة من العيار الثقيل بأن المشرّع الوضعى لم يضع تعريفاً للمجتهد، كما أن هناك فراغاً تشريعياً -وليس شرعياً- بشأن إيجاد تنظيم تشريعى متكامل لعملية الإفتاء، وهو ما يُسبب مشكلات جمة -باستثناء ما تقوم به دار الإفتاء- فظل الإفتاء ليس حكراً على أحد، فكل مسلم بلغ فى علوم الشريعة الإسلامية مبلغ التخصص وتوافرت فى حقه أهلية الاجتهاد من حقه الفتوى، أما غير المتخصصين فإنه لا يجوز لهم ذلك.
وأكدت أن المسائل الخلافية والمستجدات التى تتعدد فيها آراء العلماء، لا يجوز أن ينفرد بالإفتاء فيها فقيه واحد، فيكون الاجتهاد الجماعى هو السبيل الوحيد لترجيح الأصوب.
وحدّدت المحكمة 9 ركائز وآليات، لتجديد الخطاب الدينى، أولها: «يجب أن يعتمد تجديد الخطاب الدينى على فكرة أن الإسلام يدعو إلى السلام فى الأرض، ومواجهة الفكر بالفكر وبالحكمة والموعظة الحسنة وليس باستخدام العنف».
ثانياً: أن تجديد الخطاب الدينى يقتضى إعادة فهم النصوص على ضوء واقع الحياة وما تستحدثه البيئة المعاصرة مع عدم المساس بثوابت الدين نفسه من نصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، فيجب أن يكون أسلوب التجديد فى الفروع فحسب، وهذا ما فعله الفاروق عمر بن الخطاب حينما أوقف حد السرقة فى عام المجاعة، بل إن الأئمة الأربعة كانوا يفتون فى كل بلد حسب العرف السائد فى كل منها، فى إطار المبادئ العامة للشريعة، وهو ما يعرف «بفقه الواقع»، مما يدل على مرونة الشريعة الإسلامية ذاتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
ثالثاً: يجب أن يكون على القمة فى عناصر تجديد الخطاب الدينى معالجة مفهوم «الوطن» فى ضوء تحديد حقيقة مفهوم «الفكر السياسى الإسلامى».
رابعاً: ألا يكون التجديد محصوراً داخل الأمة الإسلامية فحسب، بل يتعين أن يتعدّى حدود أقطارها إلى خارجها، وذلك هو الأهم، فتجديد ذلك الخطاب يقتضى أن يشتمل على عدة لغات، وهو ما يتفق مع رسالة الإسلام العالمية وليست المحلية، وذلك هو الأصل الصحيح للخطاب الدينى الإسلامى أن يكون عالمياً، وهو ما يقتضى إعداد جيل من الدعاة يتقن اللغات الأجنبية، وصولاً إلى نشر الصورة الصحيحة للإسلام فى أنحاء العالم، ويجب ألا يغيب عن بال الأمة الإسلامية والعربية أن الجماعات التنظيمية المتطرّفة ليست مارقة عن الدين فحسب بقدر ما هى فصائل إرهابية بنهج منظم تتخذ من الدين ستاراً يلبسون به إرهابهم لصالح الصهيونية العالمية للإساءة إلى الإسلام من ناحية، وكوسيلة مستجدة من أساليب الاستعمار عن طريق الوكالة لصالح بعض الدول الكبرى ذات الفكر الاستعمارى من ناحية أخرى.
خامساً: يجب أن يعتمد تجديد الخطاب الدينى على الاعتدال ووسطية المنهج دون إفراط أو تفريط.
سادساً: يجب أن يتناول خطاب التجديد الدينى طريق الوصول عبر تكنولوجيا العصر، وأن يقيم وزناً فى أدواته لشبكة المعلومات الدولية «الإنترنت» التى أضحت لغة العصر لتوجيه كل المجتمعات البشرية إلى الحق والعدل والسلام ودون لغة العصر المشار إليها سيضيع جهد المخلصين والمجتهدين.
سابعاً: يقتضى تجديد الخطاب الدينى مواجهة الفكر بالفكر خاصة الشباب، ذلك أن الواقع كشف عن أن هناك تقصيراً فى مناقشتهم واحتوائهم ولا مرية فى أن قادة الفكر الدينى الوسطى، يدركون أنه يجب أن تكون أساليب التجديد للخطاب الدينى مرتبطة ارتباطا وثيقا بتطور الحياة ومنبثقة عن تعاليم الإسلام السمح، ذلك أن التاريخ أثبت أن المذاهب الإسلامية المتشددة لم تستطع أن تخترق مصر على مر تاريخها بسبب تشرب علمائها الإجلاء من منهج الاعتدال، وقد باتوا الآن ملزمين بمواجهة دعاة التكفير، وفى مضمار تعليم النشء روح التسامح والاعتدال، يجب إعادة النظر فى المناهج الأزهرية التى تعاقبت عليها عدة أنظمة متباينة، بحيث تثير آفاق الطلاب نحو قبول الفكر الجديد والاختلاف، الأمر الذى يحتاج إلى تعديل المنهجية الفكرية باعتماد برامج ومعايير جديدة تواكب روح العصر وتؤدى إلى إحياء التعليم الأزهرى الأصيل الذى يعمل على إعداد الدعاة.
ثامناً: تجديد الخطاب الدينى يجب أن يعتمد على أن الدين ليس للعبادة فحسب وإنما يرتبط بالمعاملة ويتصل بالحياة الدنيا كارتباطه بالآخرة، ويجب أن يتناول تجديد الخطاب الدينى كل مظاهر الحياة فى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية والحضارية وهذا هو الفهم الصائب المتصل بطبيعة الدين الإسلامى وقدرته الروحية العجيبة على الخلود والخلق والإبداع والابتكار والتعايش، فقد عانت الأمة الإسلامية من التخلف الحضارى بسبب الاستقطاب المذهبى المتنافر.
تاسعاً: تأكيد أن حقيقة تجديد الخطاب الدينى ليست تجديداً للدين ذاته، وإنما للفكر نفسه، وذكرت أن المقرر شرعاً أن الاجتهاد أمر ثابت فى الإسلام، كما تعتبر المذاهب الفقهية نتاجه، واختلاف الفتاوى أبرز أشكاله.
وأشارت المحكمة إلى أن أول وثيقة وضعت المبادئ السامية التى يجب أن يدور الخطاب الدينى فى فلكها، والتى حددت المصالح المعتبرة والتى يحميها الشرع، وهى حفظ النفس والدين والعرض والمال والعقل، ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 10 هجرية فى حجة الوداع يوم عرفة.
وأضافت المحكمة أن وزارة الأوقاف والأزهر ملزمان بالعمل على تجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من آثار التعصب، والتصدى للدراسات الزائفة ودعاة الفكر المنحرف والرد على الافتراءات والشبهات والأباطيل وتوضيح الحقائق.
من جانبه قال الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، نحن لا نعلق على أحكام القضاء، ولكنه حكم تاريخى وضع الأمور فى نصابها، وسندرسه بعناية فى منطلقنا نحو التجديد ونجعله ركيزة لمؤتمرنا المقبل، مؤكداً أن الحكم بمثابة بحث علمى رصين ومتكامل جمع عمق القانون وروح الشريعة السمحة التى نحتاج إليها فى مواجهة الإرهاب والتطرّف والتشدّد والغلو والتسيب والتفريط، وقد راعى الحكم البعد الوطنى وريادة مصر العربية والإسلامية.