أطباء العباسية: أهل المريض يشعرون أنه "وصمة عار" بسبب صورته في الإعلام

كتب: رانيا محمود

أطباء العباسية: أهل المريض يشعرون أنه "وصمة عار" بسبب صورته في الإعلام

أطباء العباسية: أهل المريض يشعرون أنه "وصمة عار" بسبب صورته في الإعلام

الطبيب أشرف عجلان، إخصائى الطب النفسى، قال: «من خلال مناظرتى ومتابعتى لحالة هؤلاء المرضى لما يزيد على العشر سنوات، فإنهم بحاجة لنظرة مجتمعية أشمل وأعمق أخذاً فى الاعتبار حالتهم المرضية المرفوضة من المجتمع وكذلك ظروفهم الاجتماعية القهرية، حيث إن طبيعة المرض النفسى التى تفرض نوعاً من الاختلاف والناتج عن أسباب جينية ووراثية تظهر عند وجود نوع معين من التوترات المحيطة، ما يفرض على المريض طوقاً من العزلة والخوف من المجتمع غير المتفهم لحالته». ويضيف: «كثير من المرضى متحسنون وقادرون تماماً على الاعتماد على أنفسهم والقيام بأعباء حياتهم اليومية، ولكن تظل المشكلة الأساسية هى عدم وجود مأوى مناسب لاحتوائهم، وهنا نرى إحدى الحالات تعانى من اضطراب الفصام المصحوب ببعض الاضطرابات السلوكية وقد بدأت الحالة مصحوبة ببعض العدوانية الموجهة للأهل على سبيل المثال نتيجة الأفكار الخاطئة المترسخة للمريض ما يسمى «بالضلالات» وقد تم التحكم بهذه الأعراض باستخدام العلاج الدوائى الفعال الذى يوفره المستشفى، وهو بانتظار قرار خروجه بعد إتمام الخطة العلاجية، كذلك هناك حالة أخرى، خريج إحدى الكليات المرموقة تعرض لصدمة حسب المعلومات المتاحة من تاريخه المرضى أدت لصدمات نفسية متكررة إضافة لاستعداده الجينى لظهور الأعراض الفصامية، ودخل فى مرحلة التحسن نتيجة إعطائه العلاج المناسب لحالته، خاصة بعد خلق حالة من الاستبصار الجزئى عنده ما يمكنه من معرفة طبيعة مرضه وأهمية السيطرة على أعراضه بالالتزام بالعلاج المناسب وعدم التوقف عنه إلا بعد استشارة الطبيب المعالج، حيث إن الاضطرابات التى نعالجها هى أمراض مزمنة بالأساس ولا يتم الشفاء منها كلية، بل قد يضطر المريض للالتزام بالعلاج مدى الحياة خوفاً من حدوث الانتكاسة المرضية وللسيطرة على أعراض المرض وعدم ظهورها مرة أخرى». الدكتور رضا الغمراوى، مدير المستشفى، يقول: طبقاً للمادة 10 من قانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009 فهناك نوعان من المرضى، وهما المريض الإلزامى الذى يدخل المستشفى دون إرادته فى حالة عدم وجود وعى أو قدرة عقلية بما يعانيه وفى الأغلب تأتى به أسرته لعلاجه وبالفعل يتم تقييم حالته من خلال اثنين من الإخصائيين النفسيين اللذين يقرران إن كانت حالته تستدعى العلاج داخل المستشفى أم لا، وفى حالة دخوله المستشفى يعرض على إخصائى القسم وبعد 72 ساعة يأتى طبيب من المجلس القومى للصحة النفسية يكون مسئولاً عن رعاية حقوق المرضى فيقرر هل هو مريض إلزامى ويحتاج لدخول المستشفى أم لا، أما النوع الثانى من المرضى فهو المريض الذى يأتى إلى المستشفى بإرادته رغبة منه فى العلاج مثل أى مريض يتردد على أى مستشفى آخر، أما المرضى المتهمون الذين يأتون إلى المستشفى عن طريق النائب العام فيتم احتجازهم داخل المستشفى فى قسم خاص ويتم تحديد مدى قدرتهم العقلية ومسئوليتهم عن الفعل، وهل كان لديهم وعى كامل بارتكاب الجريمة لحظة ارتكابها أم لا. ويضيف «الغمراوى»: «المرض النفسى مثل أى مرض آخر، المريض إذا بدأ علاجه بطريقة صحيحة يشفى منه أو تستقر حالته، فالمرض يبدأ علاجه من 3 أسابيع إلى شهر ونصف ثم يعاد الكشف وتقيّم الحالة، فلو استقرت حالة المريض يستطيع ممارسة حياته بشكل طبيعى ويستكمل علاجه خارج المستشفى، مثله مثل أى مريض عادى، لكن هناك أمراضاً يستغرق علاجها وقتاً طويلاً مثل مرضى الفصام فهناك 30% من المرضى تحدث لهم نوبة الفصام مرة واحدة فقط ويتم شفاؤهم و30% من المرضى يحتاجون للمتابعة والعلاج، أما باقى النسبة فهم المرضى الذين تتدهور حالتهم ولا يستجيبون للعلاج بسهولة لذلك يمكثون فترة أطول داخل المستشفى. وحول المرضى المتحسنين صحياً ولكنهم باقون داخل المستشفى يقول «الغمراوى»: «المرضى الذين يمكثون لمدة طويلة حتى بعد استقرار حالتهم الصحية يعود السبب إلى أهل المريض الذين تكون لديهم مشكلة فى خروجه، حيث يشعرون بشىء من الخجل نظراً لما صوره الإعلام بأن المريض النفسى عبارة عن مجنون لا يستطيع التعامل مع من حوله، مما ترتب عليه أن الأهل فى الغالب يعتبرون أن المرض النفسى وصمة عار فى جبين العائلة، ولو كانت هناك أسرة بها مريض نفسى فسيؤثر على سمعة العائلة ويصعب زواج البنات، بالإضافة إلى أن أى شخص ينتمى إلى العائلة لن يحتل مناصب عليا وهو ما يفسر وجود تلك الحالات داخل المستشفى دون أن يسأل عنهم أحد، بل إن بعض الأهالى يتركون لنا عناوين غير صحيحة حتى لا نصل إليهم، وقد وصل عدد المرضى المتحسنين صحياً المسموح لهم بالخروج من المستشفى إلى أكثر من 700 مريض لكنهم بلا مأوى، لذلك عملنا اتفاقية مع وزارة التضامن الاجتماعى أن يتم إيداعهم فى مساكن خاصة تحت الإشراف الطبى خارج المستشفى». وأضاف «من ضمن العلاج النفسى العلاج بالعمل، وقد قام المستشفى بتعليم المرضى بعض الحرف المختلفة مثل فن الأركيت وصناعة الأحذية وصناعة الموبيليا، وبعض المرضى لديهم هواية الرسم فهم يقومون برسم لوحات فنية يعبر بها المريض عن مشاعره وأحياناً نقوم بعمل معارض للمرضى الذين لديهم موهبة الرسم، وقمنا بعمل معرض لمرضى التأهيل وتم بيع اللوحات كلها وثمنها عاد للمرضى». وعن ميزانية المستشفى قال: «المستشفى يعتمد على ميزانية مخصصة من الدولة لكنها تعتبر قليلة، فى نفس الوقت هناك أهل الخير الذين يقدمون تبرعات للمستشفى». صادفنا نائب مدير المستشفى دكتور سامح حجاج الذى ركز على أزمات المستشفى قائلاً: «المستشفى يعانى من مشاكل إدارية تحتاج حلولاً سريعة، والحلول غير متوافرة على الأقل فى الوقت الحالى، فعلى سبيل المثال لدينا نقص كبير فى عدد الأطباء، فمجموع الأطباء المسجلين على قوة المستشفى يصل إلى 235 طبيباً، نصفهم على الأقل مسافر للخارج والنصف الباقى مقسم بين نواب أو أستاذة كبار فى السن، ويرجع سبب الأزمة إلى موضوع الكوادر المالية للأطباء فى مصر، فمن غير المعقول أن أبحث عن أطباء مؤهلين للعمل فى الصحة النفسية وأقول لهم تقاضوا ملاليم لأن ميزانية المستشفى قليلة للغاية، بالإضافة إلى أن هناك أقساماً ليست موجودة فى المستشفى مثل المريض الذى لديه تخلف عقلى لا أملك أى وسيلة لمساعدة هذا النوع من المرضى. أما المشاكل الأخرى فتتمثل فى أن إجمالى عدد المرضى النفسيين بالمستشفى يصل إلى 1190 مريضاً، بينهم 700 مريض من المتحسنين الذين ظلوا فى المستشفى لسنوات طويلة وهو ما يمثل لنا مشكلة فى خروجهم، حيث ترفض بعض الأسر تسلم أبنائها والبعض الآخر بلا مأوى، رغم أنهم يستطيعون ممارسة حياتهم بشكل طبيعى، وهناك البعض منهم لديه بعض الأعراض باقية ولكنها لا تمنع خروجه من المستشفى واستكمال علاجه فى المنزل، بشرط أن تكون لديه رعاية ومتابعة من الأسرة، لكن للأسف عادات وتقاليد وموروثات المجتمع تجعل الأسر تتبرأ من وجود أبنائها المصابين بأمراض نفسية، فتحول المستشفى من مركز للعلاج إلى دار للإيواء. وتابع: هذا يمثل مشكلة أخرى، حيث إننا مرتبطون بقبول عدد معين من المرضى يتناسب مع عدد الغرف والأسرة الموجودة بالداخل، فكيف لى أن أقبل مرضى جدداً وأين ينامون؟ ومن الناحية القانونية أستطيع إعطاء تصاريح بالخروج دون أى مسئولية على المستشفى، لكن الضمير المجتمعى يمنعنى من ذلك، لأنه إذا حدث ذلك ستجد الشوارع مليئة بالمرضى، لأنهم بالفعل ليس لهم أماكن تؤويهم أو أشخاص تتابع حالتهم، خاصة أن المريض من كثرة وجوده فى المستشفى يشعر أنه بيته الذى تعلم فيه وعاش بداخله لسنوات، ولكى يخرج من المستشفى يحتاج فى المرحلة الأولى لمتابعة من الأسرة وأن يأتى فى ميعاده المحدد لأخذ علاجه من العيادات الخارجية التى تصرف العلاج بالمجان، لذا يسعى المستشفى منذ شهور وبمجهود كثير من زملائنا، سواء أطباء أو إخصائيين اجتماعيين أو موظفين إداريين، بشتى الطرق لأن تكون هناك قناة اتصال مع وزارة التضامن الاجتماعى لخروج المرضى بلا مأوى لدار تابعة لها ونحن كمستشفى العباسية لدينا وحدة رائدة فى مصر تسمى وحدة طب المجتمع، أى أن المريض النفسى يجب أن يعالج فى مجتمعه وليس احتجازه أو حبسه فى المستشفى، ونجحنا فى خروج بعض المرضى المستقرين صحياً تحت إشراف «طب المجتمع» التى تعد وحدة رائدة جداً، لأنها تتابع المريض فى منزله، بدأنا فى تنفيذها منذ سنوات قليلة نتيجة نقص فى كوادر كثيرة جداً، خاصة الكوادر المؤهلة سواء فى الأطباء أو الإخصائيين النفسيين، فوحدة طب المجتمع مقيدة حالياً بعدد معين من هؤلاء الكوادر نأمل فى زيادته فى الفترة المقبلة، وهذه الوحدة لديها حالياً 41 مريضاً، ولكن من الممكن أن تصل إلى أكثر من 90 مريضاً فى ظل الظروف الحالية، ووحدة طب المجتمع عبارة عن فريق من المستشفى يخرج بسيارة مجهزة بأدوية خاصة تذهب إلى المريض فى منزله أو تقيّم حالته وتعرف احتياجاته وتعطى له الدواء المناسب، بهذه الوحدة نحقق أكثر من هدف، خروج هذا العدد من المرضى من المستشفى ومتابعته فى منزله. وقالت الدكتورة سناء السيد، رئيسة وحدات السيدات المطورة ونائبة مدير مستشفى العباسية، إن أغلب الحالات فى أقسام السيدات تعانى من عدة أمراض مثل الفصام المزمن والاضطراب الوجدانى بنسبة كبيرة بين الحالات الموجودة، وأضافت: لدينا مريضات مقيمات فى المستشفى منذ سنوات طويلة قد تصل إلى 20 و40 سنة داخل المستشفى، وبالتالى هؤلاء المريضات انعزلن تماماً عن العالم الخارجى، وللأسف المجتمع يرفضهن تماماً ويتجاهلهن، لذا فهناك قانون جديد مختص بدخول أى مريض على ألا تتجاوز فترة وجوده بالمستشفى أكثر من ثلاثة شهور. وتابعت: هؤلاء المريضات بلا مأوى أصبحن عبئاً كبيراً على المستشفى، خاصة أن هؤلاء المريضات أصبحن كباراً فى السن قد يتعدى عمر المريضة أكثر من 60 عاماً وأصبحن يعانين من أمراض كثيرة مثل الشيخوخة والباطنة، فأقل مريضة منهن مصابة بالسكر والضغط، والمستشفى متكفل بعلاج هؤلاء المريضات، فلدينا نقص فى التخصصات الأخرى ونقص فى إمكانيات عديدة، فليس لدينا قسم متخصص لجراحة العظام ولا حتى إخصائى أو استشارى عظام، الموجودون فى العيادة أطباء نواب أو مقيمون، كل ما يفعلونه تحويل المريض لمستشفى آخر، فإذا تعرضت مريضة للكسر فى قدميها أو فى يديها فيضطر المستشفى لنقلها إلى مستشفى الدمرداش لكى يجرى معها العلاج اللازم، بالإضافة إلى أنه لا توجد لدينا غرفة عمليات أو غرفة عناية مركزة ونعانى كثيراً فى إجراءات نقل مريضة إلى المستشفيات الأخرى. ويقدم المستشفى علاجاً بالعمل، من خلال قسم خاص رأينا التعرف عليه باعتباره نوعاً من العلاج التأهيلى للمريضات النفسيات، وداخل القسم عرض للمنتجات المصنوعة يدوياً بأيادى المريضات وغرفة بها ماكينة خاصة بصناعة السجاد اليدوى، عليها إحدى المريضات بابتسامة تتابعنا ونحن نتفقد المكان، وبجانب الغرفة عدة كراسى مصنوعة من البلاستيك القديم تجلس عليها المريضات فى ورشة التريكو، وكل منهن تقوم بصناعة بعض الملابس، مثل جاكيت حريمى أو بلوفرات، وغرفة أخرى بها ماكينات خياطة لصناعة الملابس الجاهزة وأثناء تجولنا داخل القسم قابلنا نبيل محمد مدير قسم العلاج بالعمل الذى بادرنا بالقول إن المستشفى به عدة أقسام للعلاج بالعمل، من بينها قسم خاص لصناعة السجاد اليدوى وقسم خاص للزخرفة وورشة للتريكو والنجارة الأركيد والكروشيه والتطريز وصناعة الأحذية والمصنوعات الخشبية، وجميع أنواع الأشغال الفنية، يتم بيعها بأسعار رمزية للجمهور، وأضاف: «يتردد على القسم 15 مريضة يومياً، من تعمل منهن داخل القسم لها مقابل مادى 4 جنيهات يومياً، ويتم اعتبارها كموظفة فى قسم التأهيل، ومواعيد العمل من الساعة 10 إلى الساعة 1 ظهراً تحسب لها يومية 4 جنيهات، وعند بيع هذه المشغولات يكون العائد للمريضات، وهناك معاملة خاصة للمريضات داخل القسم، فهناك عاملة فنية تكون بجانب المريضات أثناء عملهن بالقسم، فمنهن من ليست لها خبرة سابقة أو معرفة بهذه الحرف يتم تعليمهن وتدريبهن عليها ويتم صرف مكافأة ثابتة للمريضة التى تعمل داخل قسم العلاج بالعمل، وهى 120 جنيهاً، لأن العائد المادى ليس مربحاً، والأسعار رمزية جداً يصرف منها على المريضات وشراء الخامات، فقسم العلاج بالعمل ليس معتمداً على ميزانية المستشفى بل يعتمد على صندوق خاص يسمى العلاج بالعمل تابع للخدمة الاجتماعية والمعرض دائماً لزوار المستشفى».