فى عهد "أوباما".. آمال المساواة تتحطم على صخرة "التمييز"
أكثر من 150 عاماً هى المدة الفاصلة بين إعلان الرئيس الأمريكى أبراهام لينكولن انتهاء عصر العبودية والعنصرية ضد المواطنين الأمريكيين أصحاب الأصول الأفريقية عام 1862، وانتخاب أول رئيس أمريكى من أصول أفريقية على الإطلاق عام 2008، ولكن الحلم الذى وضع «لينكولن» حجر الأساس له لم يتحقق حتى الآن، فقد عادت قضية «العنصرية» لتفتح أبواب الجحيم من جديد فى المجتمع الأمريكى، لتثبت أن السنوات أخفتها فقط تحت غطاء الديمقراطية والتحضر، وهى الصورة التى حاولت الولايات المتحدة التى تعد الدولة الأقوى فى العالم، تصديرها إلى الدول الأخرى، باعتبارها الديمقراطية الأولى فى العالم.
مع إعلان فوز الرئيس الأمريكى الحالى باراك أوباما عام 2008 بالانتخابات الرئاسية، تعالت آمال المواطنين من أصول أفريقية -كون «أوباما» نفسه واحداً منهم- وتعلقت على أكتافه مسئولية المساواة وإنهاء التمييز والعنصرية ضدهم، فهى المرة الأولى التى يصل فيها «أحدهم» إلى هذا المنصب المرموق فى الولايات المتحدة. وقتها «أطلق الأمريكيون من أصول أفريقية العنان لخيالهم للتفكير فى مدى تحسن مستقبلهم، ولكن ما إن مرت الأيام حتى أثبتت أنهم كانوا على خطأ تماماً، فالرئيس «الأسود» اتضح أن «قلبه أبيض» لا يميل إلى المواطنين من أبناء جلدته، وبات لقب «الرئيس الأسود ذو القلب الأبيض» هو الأكثر التصاقاً بالرئيس الأمريكى، فى إشارة إلى أنه لا يشعر بما يعانيه المواطنون من أصول أفريقية، إلى درجة أن البعض اتهمه بـ«العنصرية» مثلما يفعل المواطنون البيض، بسبب تصريحاته التى وصف فيها المتظاهرين بـ«البلطجية ومثيرى الشغب».[FirstQuote]
بعد أن تسببوا فى نجاحه الكاسح بالانتخابات الرئاسية عام 2008، حيث صوت له ما لا يقل عن 95% من الناخبين الأمريكيين من أصول أفريقية، تسبب هو فى انتكاسة كبيرة فى تاريخهم النضالى للحصول على المميزات التى يحصى بها باقى المواطنين الأمريكيين، حيث لا يزال المواطنون من أصول أفريقية ضحايا للتمييز على مستويات عدة، تشمل السياسة والاقتصاد والتعليم والتوظيف، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة. وتمثل هذه التفرقة امتداداً للتفرقة فى المعاملة بين السود والبيض فى الإسكان والتعليم والوظائف ووسائل النقل والأماكن الترفيهية، التى بدأت مع بداية تأسيس الولايات المتحدة نفسها، وبدأت مقاومة الأمريكيين من أصول أفريقية لهذه السياسة قبل الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً قوانين التعليم، وظهور زعماء سود مثل مارتن لوثر كنج ومالكوم إكس.
وأوضح تقرير صدر مؤخراً، أن 45% من السكان من أصول أفريقية فى سن العمل عاطلون، بالإضافة إلى أن 33% من طلاب المدارس الثانوية منقطعون عن الدراسة. وأوضحت تقديرات المعهد الحضرى الأمريكى -مركز أبحاث غير حزبى- أن ركود الاقتصاد الأمريكى فى عهد «أوباما» فاقم الفجوة التى كانت موجودة بالفعل فى الثروة بين البيض والسود، فما بين عامى 2004 و2010، خسر البيض 1٪ من ثرواتهم، فى حين فقد السود 23% من ثرواتهم، كما أن ثروة متوسط عدد الأسر البيض تبلغ ستة أضعاف ثروة متوسط عدد الأسر السود، كما يبلغ معدل الفقر بين السود 25% مقابل 11% بين البيض.
هذا كله لا يعد نقطة فى بحر ما عاناه المواطنون من أصول أفريقية مع بداية الفترة الرئاسية الثانية لـ«أوباما»، حيث أصبح قتل المواطنين من أصول أفريقية حادثاً شبه يومى لا مفر منه. وأكدت عدة تقارير أن مكتب التحقيقات الفيدرالى يتلقى أكثر من 400 جريمة قتل مبررة من قِبل ضباط الشرطة الأمريكية كل عام لمواطنين من أصول أفريقية. وبدأت حوادث القتل من قِبل الشرطة الأمريكية ضد المواطنين من الأصول الأفريقية تتضخم، وتسببت فى «كوارث» غيرت من صورة الولايات المتحدة أمام العالم، وهو ما تمثل فى اشتعال الولايات المتحدة نهاية العام الماضى، بسبب مقتل الشاب الأمريكى من أصول أفريقية مايكل براون فى مدينة «فيرجسون» بولاية «ميزورى» الأمريكية، حيث تسببت تلك الجريمة فى اندلاع موجة من المظاهرات الشعبية العارمة فى الكثير من المدن الأمريكية للمطالبة بالقصاص، لكن وعلى الرغم من ذلك تمت تبرئة الشرطى من تهمة القتل.[SecondImage]
لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، حيث تسببت تبرئة الشرطى فى اندلاع مظاهرات جديدة فى «فيرجسون» تخللتها أعمال فوضى ونهب، ما دفع بحاكم المدينة لاستدعاء الحرس الوطنى الأمريكى للسيطرة على المظاهرات، وفرض حظر التجوال فى المدينة. وقامت الشرطة فى المدينة أيضاً أثناء المظاهرات بسحل واعتقال المئات من المتظاهرين والصحفيين.
كانت هذه هى المرة الأولى التى تحدث فيها مظاهرات بهذا الحجم فى عهد الرئيس «أوباما»، لكن كل هذه الأحداث لم تُخرجه عن صمته إلا بعد مرور أسبوع على المظاهرات، حيث أدان «أوباما» وقتها شرطة مدينة «فيرجسون»، لاتخاذها إجراءات «قمعية وتعسفية» ضد السكان من أصول أفريقية. وكشف تقرير لوزارة العدل الأمريكية التحيز العنصرى من قِبل الشرطة وموظفى الحكومة تجاه المواطنين من أصول أفريقية. ونتيجة لذلك كله تقدم وزير العدل الأمريكى السابق إيريك هولدر باستقالته بسبب أحداث «فيرجسون».
وما إن مرت عدة أسابيع على هذه المظاهرات التى اجتاحت «فيرجسون»، حتى انطلقت سلسلة مظاهرات أخرى لكن هذه المرة بولاية «أريزونا»، حيث قتل شرطى أبيض رجلاً أسود أعزل فى ولاية «أريزونا» وتحديداً بمدينة «فينيكس»، عبر إطلاق النار عليه إثر اشتباهه خطأ فى أنه يحمل سلاحاً. ما إن بدأ المجتمع الأمريكى فى استعادة الهدوء مرة أخرى، حتى استيقظ قبل أسبوع على حادث مقتل مواطن من أصول أفريقية آخر، ولكن هذه المرة فى مدينة «بالتيمور» الواقعة فى ولاية «ميرلاند». وعادت المظاهرات لتجتاح المدينة من جديد وعادت معها الشعارات المناهضة للشرطة الأمريكية وأعمال النهب والسرقة والفوضى، ونتيجة لذلك كان حتماً أن يعود أيضاً الحرس الوطنى إلى المدينة لمحاولة السيطرة على الأوضاع بها، مثلما حدث فى «فيرجسون». كما تم إغلاق كافة المدارس والجامعات بالمدينة، وتم فرض حظر التجوال. لكن هذا كله لم يمنع المتظاهرين من الاستمرار فى الخروج للمطالبة بحقوق المواطنين من الأصول الأفريقية. لكن وخلافاً لما حدث فى «فيرجسون»، استوعبت المحكمة الأمريكية الأمر هذه المرة، حيث أعلنت النائب العامة لولاية «ميرلاند» التابعة لها مدينة «بالتيمور» ملاحقة 6 ضباط بتهمة قتل مواطن أمريكى من أصول أفريقية، مما ساهم فى الحد من خروج المظاهرات، وتوجهت عائلة «جراى» بالشكر للنائب العام، فيما أعلن محامى نقابة الشرطة بـ«بالتيمور» أن هذا القرار من قِبل المحكمة الأمريكية ما هو إلا قرار متسرع بسبب المظاهرات. وكعادته لم يتحدث «أوباما» إلا بعد مرور أسبوع، حيث خرج ليندد بأعمال الشغب فى «بالتيمور»، قائلاً إنه «لا يرى مبرراً للعنف»، واصفاً المتظاهرين أنه «مجموعة من المجرمين والبلطجية»، ليؤكد بذلك الاتهامات التى وُجهت له بأنه لا يهمه مصالح المواطنين الأمريكيين من أصول أفريقية، بل كان كل ما يهمه فقط أصواتهم فى الانتخابات.
حوادث القتل ليست الاعتداءات الوحيدة التى يتعرض لها المواطنون الأمريكيون من أصول أفريقية فى عهد أول رئيس أمريكى من أصول أفريقية، حيث أوضح تقرير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» الأمريكية لعام 2013، أن المواطنين الأمريكيين من أصل أفريقى يمثلون نحو 28.4% من جميع المقبوض عليهم، طبقاً لمكتب إحصاءات وزارة العدل. كما رصدت المنظمة الحقوقية أن نسبة ما يتعرض له المواطنون من أصول أفريقية من إجراءات أمنية فى الشوارع مثل التفتيش الذاتى وتفتيش سياراتهم هى 3 أضعاف ما يتعرض له المواطن الأمريكى العادى.