"مبارك فوق العرش".. فصول البداية والنهاية في حكم مصر

كتب: أحمد محمد عبدالباسط

"مبارك فوق العرش".. فصول البداية والنهاية في حكم مصر

"مبارك فوق العرش".. فصول البداية والنهاية في حكم مصر

طيار يقود طائرات تضرب قاذفات ثم تمضي.. لم يعرف يومًا قيادة المقاتلات، فطوال حكمه يضرب دون مناورة أو انسحاب.. ظل حبيس كبينة الطائرة أو كبينة شرم الشيخ يقرأ المؤشرات والعدّادات؛ ليكتشف في نهاية الرحلة أن الطائرة كانت على الأرض وأنها لم تحلق يومًا سوى إلى أكاديمية الشرطة، حيث قاعة المحاكمة. أكثر من 30 عامًا داخل الحياة السياسية، دخلها برأس مرفوع يحمل راية النصر، وخرج منها مخلوعًا بثورة شعبية قادته إلى السجن والمحاكمة، وما بين اللقطتين العديد من التفاصيل، إخفاقات وإنجازات لم تشفع لصاحبها في نهاية المطاف. "سهولة القيادة، والسذاجة السياسية" كانتا أهم مميزات محمد حسني مبارك حينما اختاره الرئيس الراحل محمد أنور السادات نائبًا له، فبعد أن كان أقصى طموح للطيار بعد تقاعده التعيين سفيرًا في أي دولة، بات الرجل الثاني في الدولة المصرية، إلى أن حالفه الحظ وأصبح الرجل الأول بين ليلة وضحاها. "بداية حكم مبارك" قيادة حكيمة ترغب في التعلم والاستماع لمن حولها، هكذا اتسمت أول سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، لا سيما وأنه اتخذ قرار بالإفراج عن غالبية المعتقلين السياسيين، وتحسين لهجة الحديث والعلاقات مع الأشقاء العرب، بعد أن كانت شبه منقطعة خلال حكم الرئيس السادات، كما كان معنيًا بالبنية التحتية كالكهرباء والتليفونات والمواصلات والصرف الصحي والسكك الحديدية، بالإضافة إلى المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ومشارطة التحكيم الخاصة بطابا، وذلك وفقًا لما أوضحه الدكتور مصطفى الفقي، مدير مكتب رئيس الجمهورية السابق لشؤون المعلومات. أما الدكتور أحمد سيد النجار، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية، فقال إن مصر خلال فترة الثمانينات كان لديها بنية أساسية متداعية نسبيًا، بالإضافة إلى حالة من عدم الكفاءة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن مبارك تسلم مصر وديونها 21 مليار دولار في أواخر عام 1981، وفي عام 1988 وصلت ديون مصر إلى 50 مليار دولار. "فُقدان الحكم والإطاحة بأبو غزالة" بعد 4 سنوات من رئاسته للجمهورية، وتحديدًا في 25 يناير 1986، كاد أن يفقد حكمه إلى الأبد بعدما تمردت عليه العصى الغليظة التي في يديه، حينما شهدت البلاد انتفاضة الأمن المركزي، إلا أن القوات المسلحة بقيادة المشير أبو غزالة آنذاك احتوت الموقف، وتمكنت من السيطرة على الأوضاع الأمنية والبقاء على مبارك رئيسًا، فما كان جزاء أبو غزالة إلا الإطاحة به من منصبه والتشهير بسمعته. "المرحلة الثانية من الحكم" ذاق مبارك طعم السلطة، وبدأ يتسلل إلى قلبه حب الكرسي شيئًا فشيئًا فكان له ملك مصر، وشهدت تلك المرحلة نقطة تحول في علاقة مبارك مع الغرب، حيث ارتمى في أحضان الغرب، ومن دخل إلى صدره ريح الغرب عرف طريق الهاوية، فكانت بداية الرحلة مع أمريكا في حرب الخليج الأولى عام 1990، والتي خرج منها بإحساس الزعامة العربية والإقليمية. "محاولة اغتياله" تعرض حسني مبارك عام 1995 لمحاولة اغتيال أثناء زيارته للعاصمة ال‘ثيوبية أديس أبابا، ولولا سرعة البديهة والتحرك من قبل حراسه لكتبت كلمة النهاية على حكمه إلى الأبد، لكن كتب له العودة من جديد إلى أرض الوطن وسط استقبال حافل من رجال الدين والسياسية، ما منحه شعور الزعامة من جديد، وأن كافة طوائف الشعب تؤيده وتقف إلى جواره، وذلك ما أكده الدكتور مصطفى الفقي. بدأت بعد تلك الواقعة المرحلة الأسوأ في تاريخ العلاقة مع إفريقيا، ودول منبع النيل، حيث انقطع عن الذهاب إلى القمم الإفريقية لمدة 15 عامًا. "مخطط التوريث" بدأ مخطط التوريث عقب عودة جمال مبارك من الخارج في عام 1998، فرغم أن مبارك الأب كان كارهًا لهذا المخطط إلا أن إصرار سوزان مبارك كبيرًا، فرغبتها في أن تكون زوجة الملك وأم الملك المقبل أغشى أعينها عن أي شيء آخر، وفقًا لما قاله الدكتور يحيى الجمل في فيلم وثائقي عن حياة مبارك من إنتاج قناة "الجزيرة". كما أوضح الدكتور رفعت السعيد، رئيس حزب التجمع، أن مبارك كان يخشى من التوريث، حيث قال: "مبارك كان مترددا، ليس تعففًا ولكن خوفًا على ابنه، وخوفًا من المؤسسة العسكرية والمواجهة الشعبية". "السقوط في الهاوية" شهدت فترة حكومة رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد أكبر معدلات فساد، حيث رفعت هيئة الرقابة الإدارية تقريرًا إلى مؤسسة الرئاسة أكدت فيه تزايد معدلات الفساد في مصر أثناء توليه رئاسة الوزراء، وانتشاره بمختلف قطاعات الدولة، مقدرة حجم الأموال المختلسة بـ 500 مليون جنيه، وهو ما أكدته منظمة الشفافية الدولية التي ذكرت أن قطاع الإسكان والتعمير كان أكثر القطاعات التي انتشرت فيها قضايا الفساد، كما تميزت فترة تلك الحكومة ببيع القطاع العام بصورة كبيرة. رحل عبيد وجاءت من بعده حكومة أحمد نظيف، حيث سيطرة رجال الأعمال على السلطة، واندماج السلطة برأس المال، وهو ما ساهم في زيادة حدة الفساد وتفشيه في المجتمع، وما تبعه من زيادة مساحة الفقر وارتفاع الفوارق بين الطبقات وغياب العدل الاجتماعي. وما بين تعديلات دستورية، وتزوير انتخابات برلمانية، وحياة المصريين المهددة في كافة وسائل المواصلات سواء الغرق في العبارات أو الحريق داخل قطارات الصعيد، وتفشي ظلم عدد من رجال الشرطة، وانهيار الحياة السياسية، كان لا بد وأن يأتي يوم الانفجار، لتنطبق مقولة "اتقي شر الحليم إذا غضب" على الشعب المصري في يوم 25 يناير 2011.