طبيب «163صاعقة» بحرب أكتوبر: المصابون كانوا يطلبون العودة إلى القتال
قال الدكتور عاطف ناشد نصر، طبيب الكتيبة «163 صاعقة»، وهي أول كتيبة عبرت خط بارليف أثناء حرب أكتوبر 73، إن الروح المعنوية لأفراد القوات المسلحة قبل الحرب كانت مرتفعة جداً، وكنا جاهزين لخوض المعركة للأخذ بالثأر واسترداد الأرض، وإن المصابين من الضباط والجنود كانوا يطالبون بسرعة إسعافهم ليعودوا بسرعة إلى ميدان المعركة، مشيراً إلى أن أصدقاءه من الضباط والصف والجنود لامسوا النصر بأيديهم قبل الإعلان عنه، حينما وطأت أقدامهم أرض سيناء مرة أخرى واجتاحت الدبابات صفوف العدو.
ولفت إلى أن من أصدقائه الذين كانوا معه في الكتيبة وشاركوه أجواء الحرب اللواء مراد موافي، مدير المخابرات الحربية الأسبق، واللواء محمود منصور، أحد مؤسسي جهاز المخابرات القطرية.
وأضاف ناشد، أنه عندما سمع عن أن الرئيس المعزول محمد مرسي كان ينوي التفريط في جزء من سيناء قال: «كانت عيني بتدمع ودمي يغلي لأن من ذاق الحرب واستشهد أصدقاؤه أمام عينيه ليس كمن سمع عنها»، لافتاً إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي قدم العديد من الإنجازات الملموسة في وقت قصير جداً، ومصر لن تنهض إلا بمساعدة أبنائها.
* في البداية.. متى التحقت بالقوات المسلحة؟[SecondImage]
- عقب النكسة في يناير عام 1969، حيث التحقت بكلية الضباط الاحتياط وكنت ضمن الدفعة «25 ضباط احتياط» ومكثت 6 أشهر بمركز التدريب، ثم التحقت بالمركز الطبي بكوبرى القبة، ومنها تم توزيعنا إلى وحدات التشكيلات.
* متى التحقت بقوات الصاعقة؟ وأين كانت؟
- بعد عام من التحاقى بصفوف القوات المسلحة، التحقت بقوات الصاعقة في يناير عام 1970 قبل حرب أكتوبر بـ 3 سنوات، حيث تم توزيعي على مدرسة الصاعقة في «أنشاص» بمحافظة الشرقية، حيث توجد مدرسة صنع رجال وجنود مقاتلين يستطيعون إنجاز المهام الموكلة إليهم تحت أي ظرف بكل دقة.
* ما هي كتيبة الصاعقة التي التحقت بها؟ وما مهمتها في الحرب؟
- الكتيبة التي التحقت بها كانت «كتيبة 163 صاعقة» وهي من أولى الكتائب التى عبرت قناة السويس في حرب أكتوبر عام 1973، حيث كانت مهمتها حينذاك منع الهجمات المضادة لقواتنا المترجلة «كتائب المشاة»، وقامت بتعطيل الدبابات الإسرائيلية، وألحقت بهم خسائر فادحة فى الحرب.
* صف لنا حرب الاستنزاف وأحوال الجبهة الداخلية وقتها؟
- حضرت حرب الاستنزاف كلها، وكانت حرباً بكل ما تحمل الكلمة من معان، فكان كل مصري لديه شعور بالضيق في صدره بسبب ما يحدث فى البلاد، وكان جميع المصريين يريدون الثأر وكانت القيادة العسكرية تمهد لحرب أكتوبر بكل حنكة وتخطيط للأخذ بالثأر وانتصرنا على العدو الإسرائيلى وألحقنا به خسائر فادحة، فذهب الضيق من صدورنا بعد تنفيذ المهمة.
* ما مهامك فى الكتيبة «163 صاعقة»؟
- كنت الطبيب المسئول عن الكتيبة، وكانت مهمتي تتلخص في الإرشاد الطبي للجنود وضباط الصف والضباط، وإجراء الإسعافات الأولية للمصابين، بالإضافة إلى عمليات الإخلاء، حيث كان معى مسعفون وكانوا يطلقون علينا «الجماعة الطبية»، بالإضافة إلى مجموعة من حملة النقالات الذين كانوا يحملون المصابين فى أوقات الحرب.
* صف لي يومك أثناء وجودكم بالكتيبة خلال الحرب ؟
- كنا نعيش في ملجأ تحت الأرض، بسبب ضربات الطيران الإسرائيلى، وكان يومنا عبارة عن حضور طابور الصباح، حيث يتم توزيع المهام فى سرية تامة، بالإضافة إلى التدريبات كالرماية وغيرها، وكنت أشارك فى هذه التدريبات تحسباً لإصابة أى فرد أثناء التدريب، والحالة المعنوية كانت جيدة بين الضباط والجنود، وكان قائد الكتيبة وقتها الرائد عاطف عليم.
* هل هناك أصدقاء تتذكرهم حتى الآن ممن كانوا يخدمون معك بالكتيبة؟
- بالطبع، فكان معى اللواء مراد موافي، مدير المخابرات العامة الأسبق، واللواء محمود منصور، أحد مؤسسي المخابرات القطرية، حيث قاما بالعديد من البطولات أثناء المعركة وأبليا بلاءً حسناً فى الحرب.
* كيف تلقيتم خبر العبور؟ وكيف كان رد فعل الجنود؟
- تلقينا خبر العبور في وحداتنا وكنا مستعدين لذلك في أي وقت، حيث كانت أرواحنا المعنوية مرتفعة، وقمنا بأخذ مواقعنا حسب تعليمات القادة، وتم توزيع المهام للمجموعات المقاتلة وعبرنا قناة السويس وأخذت كل مجموعة مواقعها، وكانت المعنويات مرتفعة بعد أن علمنا بيوم الثأر، بالإضافة إلى أن الكتيبة كانت تمتاز بالروح القتالية، وكان لا يوجد فرق بين ضابط وجندى، فالكل سواسية، والجيش المصرى كله محفوظ من الله، لأنه لُحمة واحدة.
* كيف كنتم تتعاملون مع المصابين ومن استشهدوا فى الحرب؟
- قبل الحرب كانت حالات المصابين عادية، حيث كانت هناك إصابات نتيجة التدريبات وغيرها من الإصابات المفاجئة، وإذا تطلب الأمر كنا ننقلهم إلى أحد المستشفيات العسكرية، بالإضافة إلى أننا كنا نقوم بعمل ندوات توعية طبية قبل الحرب للجنود فى الكتيبة، وكنت مهتماً بذلك حتى يستطيع الجندى التعامل مع حالة زميله المصاب أثناء الحرب بطريقة صحيحة ويستطيع إسعافه، أما أثناء الحرب، فكانت هناك نقطة إسعاف خفيفة تتحرك خلف الوحدات المقاتلة مباشرة، وكنا ندفع بمسعفين لأماكن متقدمة مع المقاتلين لإسعاف أى مصاب على الفور وتقديم الإسعافات الأولية له، وكان المصابون عند إسعافهم يطلبون منا العودة لميدان المعركة كى يشاركوا زملاءهم النصر، وكان يتم إخلاء الجرحى بسرعة، وكان هناك شهداء يتم إرسال جثثهم إلى ذويهم، وآخرون يدفنون فى مقابر الشهداء التابعة للجيش، بالإضافة إلى الذين فقدوا فى الحرب ولم يتم العثور عليهم.
* ما أكثر المواقف أو الأحداث التى تأثرت بها أثناء الحرب؟
- أكثر المواقف التى تأثرت بها وفاة صديقى النقيب غريب عبدالتواب الذى استشهد فى أول ليلة فى الحرب وكان على مستوى عال من اللياقة، وحبه لعمله ووطنه وأخلص له، حيث كان قائداً لسرية صاعقة، وقام بوضع قنبلة يدوية لاصقة على دبابة العدو فأطلقوا عليه الرصاص وتوفى فى الحال ونجح فى تفجير الدبابة الإسرائيلية وافتدى جنوده الذين كانوا سيموتون بسبب تصويب برج الدبابة عليهم، وقام بعملية فدائية فداءً لوطنه وجنوده.
* ماذا تم فى اللحظات الأولى لعبور الضفة الشرقية لقناة السويس؟
- أبلت سرية اللواء محمود منصور، الذى كان نقيباً وقائداً لسرية صاعقة بلاءً حسناً فى بداية الحرب، حيث قامت بتدمير عدة دبابات للعدو، واستشهد خلالها ضابط وجنديان من السرية، وكان لهذه الضربة أثر بالغ فى نجاح إنشاء كبارى على قناة السويس لنقل المعدات الثقيلة، وعبور قوات المشاة للناحية الشرقية من القناة وتدمير خط بارليف الصعب.
* كيف تلقيتم خبر النصر؟ ومن أخبركم به؟[ThirdImage]
- لم نتلق أو نسمع خبر النصر، وإنما عايشناه وشعرنا به لأننا رأينا جنودنا مرابطين على أرض المعركة ودباباتنا تجتاح صفوف العدو، بالإضافة إلى أن أقدامنا وطأت أرض سيناء مرة أخرى، وكنا نسمع البيانات العسكرية عبر الراديو، وكان لدينا يقين بأن النصر آت بعد عبورنا القناة، لأن الجندى المصرى يمتاز بروح الثأر لأصدقائه ولكرامته ولأرضه التى كانت ضائعة وهى بين عينيه فكان لا بد من النصر بتوفيق من الله.
* ماذا كان يفعل العدو الإسرائيلى أمامكم حينما كان موجوداً على الضفة الشرقية للقناة؟
- كنا نرى الإسرائيليين من الضفة الشرقية للقناة يعربدون ويقومون بأفعال استفزازية، وأتذكر أنهم كانوا يكتبون لنا بخط عريض على الأقمشة آيات قرآنية، منها مثلاً الآية الكريمة «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله» على أساس أن ربنا واقف معاهم ولم يقف مع المصريين وأنهم شعب الله المختار، فكانت هذه من ضمن الأشياء التى يعتقدونها.
* كيف كانت الهجمات المتكررة من العدو على بعض المواقع؟ وهل كنتم تتنقلون بينها؟
- فى بداية المعركة قاموا بقصف مصنع للحديد فى أبوزعبل، توفى على أثره 60 عاملاً، ثم قاموا بضرب السجن الحربى فى «أنشاص» بالشرقية، وكان موقع الكتيبة فى ذلك الوقت بمنطقة «بلطيم» حيث كنا نحرس هناك راداراً، وبعدها بشهر تقريباً قامت إسرائيل بقصف الرادار بالطيران، وبعدها انتقلنا إلى «كفر الشيخ»، وقتها توفى الرئيس جمال عبدالناصر فأسند إلى الكتيبة النزول إلى القاهرة والمبيت بجوار ميدان التحرير، لأنه سيتم تشييع جثمانه من مركز قيادة الثورة القديم، بجوار التحرير، وبعدها مكثنا فى مدينة «القصاصين» بالإسماعيلية لفترة قصيرة، وبعدها ذهبنا إلى كسفريد بجوار منطقة «لسان كبريت» حيث مكثنا بها 3 سنوات وبعد ذلك ذهبنا لمرصد القطامية بمنطقة تسمى «وادى الجن»، وكنا لا نستمر فى مكان معين، لأن الصاعقة كانت عبارة عن مجموعات تخدم وتمهد الطريق لقوات المشاة والمجنزرات.
* بماذا تصف جلاء الإسرائيليين عن سيناء، خصوصاً أنك من الذين شاركوا فى صنع نصر أكتوبر؟
- كان تحرير سيناء بالنسبة لنا «فرحة كبرى»، لأننا كنا فى المعركة وعشنا قسوتها، ويوم تحرير طابا لا يقل عن يوم تحرير سيناء، حيث لم تحرر طابا بالسلاح كما يعتقد البعض ولكن حررت بالسلام، وسيناء قطعة أرض مصرية عزيزة ضاعت حينها فى غفلة من الزمن، ولا ذنب لقواتنا المسلحة فى ضياعها، واستطاعت أن تستردها بالقوة، بعد تسرب العديد من الأفكار السلبية إلى ذهن البعض من أن سيناء ستلقى مصير الأراضى الفلسطينية، لكن السادات كان قائداً حكيماً وشجاعاً، حيث اتخذ قرار الحرب واسترداد الأرض، وفى المقابل عندما سمعت أن الرئيس المعزول محمد مرسى كان عاوز يفرط فى جزء من سيناء كانت عينى بتدمع ودمى يغلى، لأن من ذاق الحرب واستشهد أصدقاؤه أمام عينيه وروت دماؤهم الطاهرة أرض سيناء الغالية ليس كمن سمع.
* كيف ترى المستقبل؟
- متفائل بوجود الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى أرسله الله لمصر فى وقت عصيب، وقبل أن تنجر البلاد لمنعطف خطير، والرجل قدم العديد من الإنجازات الملموسة فى وقت قصير جداً، ومصر لن تنهض إلا بمساعدة أبنائها.
* فى النهاية ماذا تعلمت خلال الفترة التى قضيتها فى القوات المسلحة؟
- التحقت بالقوات المسلحة فى بداية عام 69 إلى نهاية عام 1974، حيث قضيت 6 سنوات خدمة، تعلمت خلالها الكثير، مثل حب الوطن الغالى الذى لا يمكن تعويضه بأى شىء، وأدركت أن الجيش المصرى فخر للعرب، ومحفوظ من الله.