"الوطن" تحاور أسامة السعيد الفائز بالمركز الأول في جائزة "الشارقة"

كتب: حوار - صالح إبراهيم :

"الوطن" تحاور أسامة السعيد الفائز بالمركز الأول في جائزة "الشارقة"

"الوطن" تحاور أسامة السعيد الفائز بالمركز الأول في جائزة "الشارقة"

للقهر تاريخ، والتاريخ لا يسير أبدًا في خطٍ مستقيم، وإنما في حلقات دائرية.. ولأن المرأة تمثل الحلقة الأضعف في مجتمعنا العربي، فإن نصيبها من القهر و الاضطهاد كان مضاعفًا، ورغم أنها كانت صوتًا جليًا ومؤثرًا في الثورات المصرية على اختلاف أزمانها، فإن تلك المشاركة لم تشفع لها في تغيير نظرة المجتمع إزائها، ولا في تحطيم الأغلال التي صنعتها عقليات ذكورية وسلطوية مغلفة بغلاف الدين. ما بين امرأة مملوكية، وباحثة في التاريخ المصري، وصحفي معاصر، وبأسلوب سردي شيّق ينتقل فيه بين زمنين متباعدين، لكنهما متقاربين في الأحداث والمآسي، تدور أحداث رواية أسامة السعيد "رواق البغدادية" الفائزة بالمركز الأول بجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الثامنة عشرة، والتي تجاوز عدد المشاركين فيها هذا العام 300 مشارك من مختلف الدول العربية.. "الوطن" حاورت الروائي الفائز في السطور التالية. * لماذا اخترت أن تكون المرأة محورًا أساسيًا لروايتك "رواق البغدادية"؟ - أولًا المرأة حاضرة دائما وبقوة في حياتنا، وللأسف الشديد كثير من التعاطي الأدبي أو الإعلامي يُكرّس لرمزية ضعف واستخدام المرأة، فأردت أن أقدم من وحي التاريخ والواقع نموذجًا مغايرًا، يُكرّس لقيمة المرأة كصانعة ومحركة للتغيير في مجتمعاتنا العربية التي باتت تمارس بحق المرأة كل أشكال الاضطهاد والاستغلال، فعادت للأسف الشديد تجارة الفتيات، وأفكار السبي والرق وغيرها من الأفكار التي كانت البشرية قد تجاوزتها منذ عقود طويلة، فضلًا عن أن كثير من التيارات الفكرية والسياسية في المنطقة العربية لا ترى من المرأة سوى جسدها، وأصبحنا نعاني ازدواجًا في الشخصية، ندعي التقدم والتحديث والتحضر، بينما نرتد في الكثير من أفكارنا إلى الماضي البعيد، وأبرز مثال على ذلك هو المرأة، من هنا جاء اختياري أن تكون الرواية في مساريها التاريخي والمعاصر تركز على دور المرأة، وأن من يظنه البعض ضلعًا أعوجًا يمكن أن يتحول عند الضرورة إلى سيف في وجه ظالميه. * استدعيت تاريخ اضطهاد المرأة المصرية في الحقبة المملوكية.. ماذا أردت أن تقول عندما ربطت بين ذلك وبين وضع المرأة في الوقت الراهن؟ - أولًا "الحقبة المملوكية" في رأييّ الخاص حقبة ثرية للغاية بالدراما الإنسانية والتاريخية، ورغم تناول العديد من الأعمال الإبداعية لتلك الحقبة، إلا أنها لا تزال كنز مغلق على الكثير من القصص التي لم ترو بعد، ومن بينها التاريخ الاجتماعي، وتداخله مع التاريخ السياسي، والمرأة عانت كثيرًا في هذا العصر، تمامًا كما تعاني في عصرنا الراهن، فقد مارس المجتمع عليها ازدواجيته الفجة، فنجد المجتمع المملوكي الذي كان يفيض بالمفاسد السياسية والاجتماعية والأخلاقية، يتجه لبناء أروقة لعزل النساء المطلقات والمهمشات اجتماعيًا بحجة حماية الأخلاق منهن، وكانت تفرض عليهن قيود شديدة للغاية، ومن تلك الأروقة رواق البغدادية الذي يمثل جزءًا من الفضاء المكاني للرواية، في المقابل كانت تحفل قصور الساسة والحكام المماليك بكل أشكال الانحلال الأخلاقي دون حسيب أو رقيب، وكان من يمارسون هذا في قصورهم هم من يرفعون رايات العفة والأخلاق في مواجهة الناس، وهذه المفارقة اللافتة أجدها كثيرًا في المجتمع المصري، خصوصًا العقود الأخيرة، فهناك ازدواجية اجتماعية واضحة بين المواقف المعلنة، وما يحدث بالفعل ويسكت المجتمع عنه، بل بات المجتمع يركز على قضايا هامشية لأنها فقط تتعلق بالأخلاق أو ما يمكن أن نصفه بالقشرة الخارجية للأخلاق، ويترك جوهر بناء هذه المنظومة الأخلاقية، وهذا أمر خطير للغاية. * الثورة كانت لها حضورها أيضًا في روايتك.. هل كانت المرأة المصرية عنصرًا فاعلًا في إشعال تلك الثورة؟ - المرأة كانت حاضرة في كل ثورات مصر الشعبية، في 1919 على سبيل المثال كانت ثورة المرأة جزءًا من ثورة مصر نحو التحرر والاستقلال، وفي ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها، كانت المرأة حاضرة وبقوة، سواء في إشعال الثورة او تحمل عواقبها، وحتى لو كانت ثورة يناير في مصر محل جدل الآن نتيجة المسارات المرتبكة التي اتخذتها الثورة واختطاف أهدافها لصالح فصائل سياسية بعينها، لكن حتى هذا الاختطاف كانت المرأة المصرية كانت أحد المتضررين الرئيسيين في المجتمع، فإذا كان كثير من المصريين دفعوا ثمنًا بشكل أو بآخر نتيجة الأحداث التي أعقبت الثورة، فقد دفعت المرأة ثمنًا مضاعفًا، فعانت من عواقب الانفلات الأمني، ثم من التحرش من قبل عصابات منظمة أرادت منعها من المشاركة في الحراك العام، فضلا عن التشويه الفكري لخروج المرأة و مشاركتها في الحياة العامة، وبينما كانت المرأة المصرية كجزء من النسيج الاجتماعي للثورة الباحث عن واقع أفضل وحريات أوسع، إذا بالفضاء العام يضيق بها، ويتركها نهبًا للمتربصين سواء من التيارات المتشددة أو من المجرمين الذين استغلوا أحداث الثورة وضعف قبضة الدولة، أو حتى من الدولة نفسها التي لم يستطع قطاع من مسؤوليها ومؤسساتها تقبل فكرة خروج المرأة وكسرها حاجز العزلة والخوف، فتعرضت لكثير من الظلم حتى من جانب الدولة، وهذا ما حاولت الرواية التماس معه. * هل تعتقد أن الثورة المصرية الأخيرة أسهمت في تغيير الصورة النمطية عن المرأة أو على الأقل مواجهة أشكال الاضطهاد ضدها؟ - على العكس، المرأة ساء موقفها بعد ثورة 25 يناير، وفقد كثير من المكتسبات التي كانت حققتها بنضال عمره عقود طويلة، وحتى تلك المكتسبات التي أرادت دولة مبارك أن تحسن بها صورتها تراجعت في كثير من القطاعات، والمهم في تقديري ليس تلك المكتسبات الشكلية التي يختزلها البعض في مسألة الشكل والمظهر والحجاب وغيرها، لكن الأهم هو تحرير عقل المرأة وعقول المجتمع كله من تلك الصورة النمطية التي ما تزال تحكمنا حول التعامل مع المرأة كجسد، ويقيني أنه إذا لم تتحرر المرأة فلن يتحرر الوطن، وإذا لم يصل التحديث إلى أفكارنا بشأن الصورة النمطية عنها، فلن يتقدم الوطن تقدمًا حقيقيًا. [FirstQuote] * لماذا قررت استدعاء التاريخ وربطه بالأحداث الجارية في روايتك؟ - أنا قارئ نهم للتاريخ، وأعتقد أن التاريخ جزءًا من حاضرنا سواء أردنا أو لم نرد ذلك، والحقيقة أنني أجد في التاريخ مادة أدبية ثرية، ربما بحكم أن التجربة الإنسانية فيه اكتملت، وربما أيضًا لأن حرية الكاتب تكون أوسع من تعامله مع الواقع الذي تؤثر انحيازاته عليه، رغم أن الكاتب يظل مُقيّدًا بالإطار العام للتاريخ، فحرية الكاتب في بناء الشخصيات مطلقة وبناء المسارات الدرامية لها، لكن في المقابل لا يمكنه أن يخرج عن الحقائق المستقر للتاريخ، وإن كان يستطيع إعادة قراءتها أو انتاج التفاصيل، وأهم شيء في تقديري هو أن الكاتب تكون إحدى عينيه على التاريخ، لكن عينه الأخرى تكون على الواقع، بمعنى أنه لا يقدم عملًا تاريخيًا بحتًا، لكنه يسقط دروس التاريخ على الواقع، أو يقرأ الواقع على ضوء التاريخ، والقارئ عليه ينتبه جيدًا، فكل عمل رواية تاريخية هي إضاءة مستترة للواقع حتى ولو لم تعلن ذلك صراحة. وفي خلال مرحلة البحث قبل كتابة رواية "رواق البغدادية" كانت مفاجأة لي شخصيًا أن وجدت تشابهًا يصل إلى حد التماثل بين واقع مصر وبين الحقبة التي تدور فيها أحداث الرواية وهي فترة العام التي حكم فيها الملك ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ولم تدم سوى عام واحد فقط، وانتهت نتيجة سوء الحكم والمصائب التي حاقت بالمصريين بثورة شعبية أطاحت بحكمه، ويتضح بجلاء مدى التشابه بين تلك الفترة والعام الذي حكم فيه "الإخوان المسلمون" مصر، وانتهت بانتفاضة شعبية ضد حكمهم، فضلًا عن واقع الظلم الاجتماعي السائد في نفس تلك الفترة التاريخية والذي يشبه كثيرًا ما تعيشه مصر المعاصرة، وان اختلفت بعض السياقات التاريخية.[SecondQuote] * وهل تعتقد أن تلك هي نفس دوافع كثير من الروائيين في مصر في الفترة الأخيرة؟ - أعتقد ذلك، فكما قلت التاريخ يقدم مادة أدبية ثرية، وشخوصًا وتطورات درامية تثري أي عمل روائي، والروائي المتمكن من أدواته يستطيع أن ينسج من التاريخ عملًا أدبيًا مميزًا، دون أن يقع في فخ المباشرة الذي قد يسقط فيه البعض عن تعاطيهم مع الواقع المعاش. * قلت سابقًا إن الرواية أصبحت بمثابة "ديوان العرب" في العصر الحديث.. كيف تفسر ذلك؟ - هذا صحيح تمامًا، فالرواية الآن تعيش عصرًا ذهبيًا، سواء في ما يتعلق بتعدد أصوات الكتابة في مختلف أرجاء الوطن العربي، وهناك العديد من التجارب الروائية الممتازة التي لم تحظ بنصيب وافر من الأضواء في مصر والمنطقة، وكذلك تعيش الرواية حقبة مميزة في مجال النشر وتكوين جمهور واسع، وبخاصة من الشباب، في المقابل تراجعت الفنون الأخرى مثل الشعر والمسرح نتيجة تطورات الحياة اليومية، وصارت الرواية هي ديوان العرب الحديث، لكن رغم تطور الرواية العربية منذ جيل الرواد، مرورًا بكتاب مهمين في الستينات وحتى الآن، لكنها ما تزال تتسع للمزيد من الأصوات والتطوير في الشكل والمضمون، بل إنها أكثر الأشكال الأدبية حاليًا قدرة على استيعاب الرؤى الاجتماعية والإنسانية لمجتمعاتنا العربية والتحولات التي تشهدها، وخصوصًا إذا ما استطاعت حركة الدراما السينمائية والتلفزيونية أن تستفيد من زخم الرواية المطبوعة، سنكون أمام تطور جديد يمكن أن يوسع جمهور الرواية ليكون بالملايين، وسينعكس أيضا بالإيجاب على حركة النشر الروائية بشكل خاص، والأدبية بشكل عام، لكن المسألة تتطلب جهدًا يتجاوز المبادرات الفردية ليتحول إلى عمل مؤسسي وصناعة متكاملة. * ماذا يمثل لك الفوز بجائزة الشارقة؟ - بالطبع أن أحمد الله تعالى على هذا الفوز، لأن هذا التكريم والاحتفاء جاء من جائزة لها سمعتها في الوطن العربي كله، وتعتمد معايير فنية محترمة في تقييم الأعمال الفائزة، وقد استطاعت جائزة الشارقة للإبداع العربي أن ترسخ مكانتها الأدبية وسط الكثير من الجوائز العربية الأخرى التي ربما تفوقها في القيمة المادية، لكن القيمة الأدبية لجائزة الشارقة تظل متميزة، لأنها تقدم للعمل الأول في المجال الذي يتقدم إليه المبدعون، وفي هذا رسالة مهمة لتقديم جيل جديد من المبدعين العربي في فنون مختلفة، ومن الجميل أن يلقى عملي الروائي الأول احتفاء من تلك الجائزة العربية المهمة، رغم ان ذلك يمثل بالنسبة لي عبئا ومسؤولية كبيرة، أتمنى ان أكون على قدرها إن شاء الله. * قدمت قبل عام ونصف تقريبًا مجموعتين قصصيتين هما "هيت لك" و"عورة مكشوفة".. لماذا لم تبدأ بالرواية مباشرة بدلًا من القصص القصيرة؟ - بالفعل مجموعتي القصصية الأولى "عورة مكشوفة" صدرت في العام 2010، ومن بعدها صدرت مجموعتي الثانية "هيت لك" عام 2014، وبينهما أصدرت كتابين سياسيين، والحقيقة أن السبب في تباعد إصداراتي القصصية، وتأخري في كتابة الرواية هو قلقي وترددي الكبيرين إزاء نشر ما أكتب، فأنا أدقق كثيرًا وأتردد في نشر كل أعمالي، لأنني أود أن يخرج العمل متكاملًا وفي أبهى صورة ممكنة، ويحمل رؤية جديدة، فالكتابة لا ينبغي أن تكون من أجل الكتابة، رغم أنها متعة في حد ذاتها، لكن عندما يخرج العمل إلى النور ففي ظني أنه لابد أن يحمل جديدًا وإضافة حقيقية سواء على مستوى الشكل أو المضمون، لهذا السبب قدمت الشكل التقليدي في مجموعتي الأولى، وجازفت بتقديم مجموعة كاملة من الومضات القصصية أو القصص القصيرة جدا في مجموعتي الثانية، ولنفس السبب أيضًا ترددت كثيرًا في عملي الروائي الأول، لأنني كنت أتساءل ماذا يمكن أن أقدم وسط كل هذا الزخم الروائي الذي تشهده الساحة، والحمد الله الذي وفقني إلى إنهاء "رواق البغدادية" بصورة طيبة، وقد بدأت فكرتها منذ سنوات وظللت أعمل على مشروع الرواية لفترة طويلة حتى وصلت إلى المرحلة التي شعرت فيها أن الفكرة نضجت وصارت جاهزة للكتابة، فباشرت العمل، والحمد لله لاقت نجاحًا جيدًا أحسبه دفعة مهمة لمواصلة الطريق. * هل تعد لمشروعات روائية جديدة الفترة المقبلة؟ - بالتأكيد هناك عدد من المشروعات الروائية والقصصية أيضا، لكنني كما قلت أحب أن أتريث وأراجع العمل أكثر من مرة، وربما أعود إلى التاريخ، وقد أغامر في اقتحام الواقع، وأتمنى أن يحالفني التوفيق في الخطوات المقبلة، لأنني على يقين بأن العمل الأول لا يكفي للحكم على التجربة الأدبية لكاتب، لكنه يمثل خطوة أولى في طريق طويل وشاق من العمل والتطور والتجريب لتقديم شيء مختلف يستحق القراءة.