يوم فى حياة مواطن "خايف"

كتب: إسراء حامد

يوم فى حياة مواطن "خايف"

يوم فى حياة مواطن "خايف"

«سيدى الرئيس.. معالى رئيس الوزراء.. وزير الداخلية.. أنا مش خايف خلاص!! بجد مش عايز أخاف تانى!».. أطراف ترتعش، وقلب يخفق بشدة، يسطر كلماته على ورقة أمامه، يعيد محو الكلمات، وتمزيق الورقة، يبدو متردداً، كلماته فى هيئة شكوى ممزوجة بعتاب وأمنيات بالتنعم بسلام داخلى، يجلب ورقاً فارغاً غيره، يضحى مصيرها مثل سابقتها، حروف متشابكة لدرجة لا يستطيع أحد غيره فك طلاسمها، مشاعر مترامية تعصف بخلجات الرجل الأربعينى، عقله يرتطم بعشرات الأفكار، معظمها عن المستقبل، والبعض الآخر عن الحاضر والماضى، الأبناء، الأحفاد، الزوجة، الوطن، العمل، السفر، الشارع، الموت، الإرهاب، الأسعار، يذيلها بصفة صاحبها «أنا المواطن الخائف». الأفكار أصبحت غير متلاصقة فى ذهن «سيد عمر» وتكاد تعصف بما تبقى له من عقل كلما اختلى بنفسه، يبقى طريحاً فى فراشه، يفكر فى كل شىء، يحجب قلقه عن المحيطين، خاصة الزوجة، بعد أن أصابتها حالة نفسية جراء كل ما يحاصرها من واقع مرير مرتبط بعمل الزوج غير المستقر، والأولاد فى المدرسة، والظروف الاقتصادية، الأحوال السياسية، فقرر ألا تكون رفيقة الكفاح طرفاً فى حل مشكلات يتعايش معها برفقة الدعاء. يستقبل «سيد» الصباح كغيره من أهالى منطقة منشية ناصر، يردد لسانه عبارة واحدة «يا فتاح يا عليم.. هات العواقب سليمة يا رب»، لا يدرى «سيد» من أين تأتيه المشكلات، بداية اليوم لا تخلو من طارئ، «الميه قاطعة.. يا رب ارحمنا من دى عيشة!»، صدمة استقبلته مع فتح أول صنبور قابلته عيناه بعد استيقاظه من النوم، «هاتى يا جهاد يا بنتى جركن ميه من تحت البيت»، لا تغفل الأسرة التعيسة أن توفر بديلاً للمياه المقطوعة عن الحى لأيام متواصلة على مدار الأسبوع، فتجمع جراكن مياه كبيرة أسفل المنزل، بحجة «للضرورة أحكام».[SecondImage] لا تألو الفتاة الصغيرة جهداً عن مساعدة أسرتها فى نقل المياه لاستخدامها فى الوضوء، أو التيمم فى بعض الأحيان، إلى أن يفرغ الأب من استخدامها، أو تتم الأم تجهيز الإفطار بما تبقى منها، لتدق أجراس السابعة صباحاً، وقد باتت الأسرة على أهبة الاستعداد للانطلاق، الأب «سيد» أنهى لتوه غسل وجهه، يوفر البقية للزوجة كى تجهز الغداء، يقاوم رغماً عنه رغبته فى الاستحمام، أو تناول كوب من الشاى. يتهيأ «سيد» للنزول، بعد أن ألقى أحد همومه جانباً، فقد انتهى لتوه من أزمة المياه، أول المخاوف التى تؤرقه مع بداية اليوم، «الميه قطعت صحيح، لكن كل عقدة وليها حلال»، ينظر فى وجوه صغاره، واحداً تلو الآخر، جهاد ومريم وسيف وزياد، يخشى أن تكون تلك هى النظرة الأخيرة، يودعهم وهو يقترب من الباب، وكل منهم بزى المدرسة، آن الأوان لينطلقوا إلى مدارسهم، صلى ركعتى الصبح، ينهيها بدعوات متواصلة «ربى احفظهم لى آمين». تبقى تمتمة الأدعية على لسانه، لا تنقطع توسلاته حتى يغادر المنزل «ابنى الكبير سيف فى تانية إعدادى، وبنتى جهاد فى تانية ثانوى، وزياد رابعة ابتدائى، ومريم 8 شهور، بخاف عليهم من نسمة الهوا»، الدعاء ربما يحجب صغاره عن قلق يراوده، «المنطقة فيها بلطجية، بياعين مخدرات، بنتى جهاد بتنزل للدروس الخصوصية، وقلبى مقبوض عليها، بتركب مواصلات عامة لحد منطقة مدينة نصر، الحوادث والتحرش بقوا فى كل مكان».[FirstQuote] الفتاة لا تشغل جُل بال أبيها، فهناك زوجة حريصة على إمداد «سيد» بالمشكلات الدائرة فى محيط مدارس بقية الأبناء الصغار «فى المدارس الحكومية، مفيش عيال بتتعلم، العيال بتروح بسنج ومطاوى، ترهب المدرسين وزملائهم»، بصعوبة يتخلص «سيد» من وساوسه، «معقول ابنى ممكن يروح منى فى أى حادثة من دول»، ذاكرته تلاحقه بذكريات مأساوية مع الجيران والأقارب، وسواهم ممن تكتظ بهم وسائل الإعلام يومياً نقلاً لحوادثهم للتأسى وأخذ العظة «قبل كده ابنى ضربه المدرس علشان طلب منه يروح الحمام، من وقتها بس أدركت أن المدرسة مكان مش أمان زى زمان». ينزل «سيد» درجات السلم وقلبه يرتعد خوفاً، ولسانه يدعو، وعيناه زائغتان، وعقله مشغول، ينتظره عمل لا يعرف للقلق سبيلاً، لكن مزيجاً من الخوف يقتحم إرادته، ينتصر على رغبته فى التركيز فى المستقبل المتفائل مثلما تدعوه الحكومة دوماً ويحثه المسئولون أن يفعل «هفرح إزاى؟ ولا أتفائل كمان، وأنا طول الوقت خايف على كل حاجة؟» يركل بعض الأحجار فى طريقه، يزيحها قليلاً، ملقى إلى جوارها كيس أسود، أحد أكياس القمامة التى سقطت سهواً من عربات تحمل المخلفات من منشية ناصر إلى الأحياء السكنية القريبة والعكس، ربما تكون هى، نعم ربما تكون قنبلة، يحاول الاقتراب منها ثم تعاوده أقدامه من حيث أتى «أصل الأسبوع اللى فات لقوا قنبلة فى أكياس القمامة، فى حى الزبالين، كان ممكن تتفجر، تكونش دى واحدة تانية؟!».[ThirdImage] رويداً رويداً تتخلى عنه الوساوس لبعض الوقت، بعد أن اقترب أحد الكلاب الضالة بالشارع من الكيس المشبوه، يفككه ثم يفرغ كل ما فيه من محتويات أمام عينيه «الحمد لله مش قنبلة، يخرب بيت الشيطان»، يجيب عن أسئلة نفسه، يطمئنها، وهو يرد السلام على أحد أصدقائه الذى يدعوه لاحتساء الشاى برفقته على المقهى، «لما أرجع من المصنع هبقى أجيلك»، قرر أن يسلم أمره لله، فيقول «منطقة منشية ناصر ميزتها الوحيدة إنها أمان بأهلها، إحنا عملنا لجان شعبية حمينا منطقتنا فى الثورة من أى حد يقرب منها، الإرهاب موجود بره المنشية بصورة أكبر، بس الخوف يهاجم منطقتنا». خطوات قليلة، يصادف إحدى البالوعات المكشوفة فى طريقة «مش كفاية الزبالة، وكمان بلاعات، هى ناقصة كمان»، البالوعات المكشوفة خطفت من المنطقة طفلين كانا يلهوان أمام منزلهما قبل عام، بسبب غياب النوادى والمتنزهات، بحسب «سيد»، «حذرت ولادى لا يمشوا فى الشارع أو يلعبوا من غير أمهم، جهاد بنتى الكبيرة كمان كانت هتقع فى البلاعة الشهر اللى فات، وهى رايحة مدرستها، طب لو كانت وقعت كنت هالحق أنقذها؟!». فى لحظة غاب عن باله كل شىء، تذكر تلك الحادثة، شبح اليوم الكئيب يراود نفسه المزدحمة بأفكار، ربما كانت ستلقى مصير عمتها المريضة بالقلب، «أختى فاجئتها نوبة قلبية، جرينا بيها على مستشفى المنشية، وبعدها الحسين، ماتت بسبب عدم وجود إنعاش أو عناية مركزة» غياب بعض الأقسام الطبية المهمة لم يكن وحده سبباً فى رحيلها، ويضيف «مستشفى ناصر مش موجود فيها أى سيارة إسعاف عبارة عن وحدة صحية والاسم مستشفى، أبسط الأشياء مش موجودة، مع إنها شكلاً زى المستشفيات العالمية». «مش عايز أولادى يموتوا، مفيش علاج ولا مستشفيات ولا عناية مركزة»، يقول «سيد» وهو ينظر إلى البالوعة التى على بعد خطوات من أقدامه المهرولة للحاق بموعد العمل، «إيه ده الساعة بقت 8»، القدر الذى حجب عنه موتاً محققاً فى بالوعة مكشوفة، ربما لا يستطيع درء سلك مكشوف يسقط فوق رأسه فجأة، يعده بموت محقق، «عادى وانا ماشى أموت متكهرب، الأسلاك والكابلات فى كل مكان مالهاش أصحاب». يعاود النظر فى ساعته، يشير إلى إحدى عربات التوك توك، عسى يصل إلى وجهته فى الموعد، يرفض سائق التوك توك بدوره عبور شريط السكة الحديد الفاصل بين سلسلة من المقاهى، والحيز العمرانى، «موجود بقى له 20 سنة، حوادث كتير كل يوم، الناجى منها محظوظ»، قطار لنقل البضائع الحربية ينطلق من منطقة العباسية إلى مثواه الأخير حيث مدينة نصر، الموت أبى أن يترك المنطقة حتى فى بضعة أمتار على مشارف زوارها، «ساعات كتير بضطر آخدها مشى، يعنى أموت طيب، ولا توك توك ولا عربية مكشوفة ترضى تروح أى حتة بسبب القطر ده، بيصفر صفارتين لو محدش أخد باله هو ونصيبه بقى!»، يبتسم الرجل الأربعينى، رغم جبينه المقطب. ربما أحسن القدر اختيار مكان قريب لعمله، كيلومتر واحد يترجله على قدميه رغم مشقة السير، يستغنى عن المواصلات الغائبة، يتيح فرصة للرجل الأربعينى أن يستجوب ذاكرته عن مخاوفه المتواصلة، يصل «سيد» إلى مصنع صغير، يحوى 3 ورش لماكينات البلاستيك، يصل إليه عبر سلالم أسمنتية محطمة، تزحلقت قدماه من عليها ذات ليلة معتمة، يتحسس مواضع قدمه قبل أن يصعد عليها، إلى أن يصل وجهته، المصنع الذى يرأس شئون العمال فيه.[SecondQuote] «إحنا الاقتصاد الخفى اللى بيساعد مصر وقت الأزمات» يزهو بكونه ساهم فى بناء مصنع، لا يخفى قلقاً غائراً فى أعماقه، «الصناعة مش مستقرة اليومين دول، بحاول أحفز نفسى، أساعد العمال يشتغلوا وعندى قلق من بكره، من اللى جاى، خايف يوم نقفل المصانع اللى بناكل منها عيش، ونقعد فى البيت». «سيد» كغيره من شباب مصر، هاجر إلى ليبيا فى التسعينات، عمل بأول مصانع خراطة البلاستيك التى أقيمت حينها على يد أحد رجال الأعمال قبل أن تضع لجان التطهير قبضتها عليه، يقول «أى شخص رأسمالى يتم تأميمه فى يوم يسمى عيد الفاتح وفقاً للكتاب الأخضر أو الدستور فى بلدهم، صادروا المصنع فى طرابلس والفلوس كمان وقبضوا على صاحب المصنع لأنه بيستورد المواد الخام»، الخسارة التى مُنى بها الرجل الأربعينى وقتئذ كفيلة بأن تنزع فكرة السفر ثانية من رأسه، «ضاعت فلوس الغربة، بقيت خايف أسافر تانى رغم اقتراحات البعض وعروض البعض الآخر بعقود عمل لصنايعية ومحترفين بأجور عالية، بس لازم أستحمل طبعاً لغاية ما ربنا يأذن». الخوف من السفر هذه المرة ليس خوف تكرار التجربة، لكن من الإرهاب الذى ينتظر المصريين الباحثين عن لقمة العيش فى الخارج، «بنصح أى حد من قرايبى، اتعب فى بلدك أحسن من شقا الغربة، وكمان الموت ببلاش»، بحسب «سيد»، يستحضر الذاكرة بحوادث إرهاب قضت على طموحات المصريين فى العيش الكريم. يعود «سيد» إلى سابق عمله، بعد رحلة دامت 4 سنوات، «مع أوائل الألفية، اشتغلت تانى صنايعى، الدنيا مش على طول حلوة، اخترعت ماكينات ألمانية بروح مصرية، الثقة رجعت لى فى نفسى، أسست معظم ورش بلاستيك منشية ناصر»، يقول الرجل الأربعينى وهو يلهث بين ماكينات الورش الدائرة، يربت على كتف العمال والصنايعية، يحفزهم قدر استطاعته، «شدوا حيلكم، اشتغلوا يا رجالة». لم ينه «سيد» كلماته حتى باغته ذلك الشبح المخيف، انقطاع الكهرباء، ما كان يخشاه تحقق «فعلاً العفريت اللى تخاف منه يطلع لك»، الماكينات توقفت لتوها عن الدوران، اختار أصحابها الانزواء خارج الورش «يا اسطى سيد الإنتاجية الشهر ده أقل من كل الشهور اللى فاتت»، يقول «أوقات تسحب بعض الشركات عروض وطلبيات بسبب تأخير التسليم، ما يعرفوش إن الكهربا هى اللى بتعطلنا». يقتطع «سيد» من قوت يومه ليسلم العمال «يومية» كاملة نهاية ساعات العمل التى تصل بعض الأحيان إلى 16 ساعة، «عايزين العجلة تدور كفاية اللى حصل أيام الثورة»، يحاول «أسامة»، أحد العمال إثناء «سيد» عن استرجاع الذكريات البغيضة، «افتكر لنا حاجة عدلة يا اسطى»، يحاول أن يستجيب إلى نصيحته، يمسك بهاتفه الخاص، يطمئن على الزوجة، يسألها عن الأولاد، فتنفرج أساريره، كأنه وجد ضالته «الحمد لله العيال بخير». «قعدنا فى البيت أسابيع من غير لا شغلة ولا مشغلة»، أيام الثورة الراكدة على صنعته تعود إلى ذاكرته المزدحمة بالأحداث المرعبة، مع إحكام الغزو الصينى قبضته على السوق المحلية، يحوم شبح البطالة حول رأسه، «بعد الثورة السيطرة على السوق والجمارك قلت بصورة كبيرة، انتشرت ظاهرة المنتجات المستوردة اللى بسعر أقل وشكل أحلى بس الجودة متدنية، ده طبعاً هدد السوق المصرية». يخشى على مصدر رزقه الوحيد، «المواد الخام كمان الدولة مش بتوفرها لنا، بنستورد من الخارج الخامات بأسعار مضاعفة، اليومية اللى كانت 40 و50 جنيه، قلت للنصف مع مضاعفة المجهود»، يحاول «سيد» أن ينشغل عن مخاوفه وهمومه، بالتنقل بين الورش الخاصة بالإنتاج، الماكينات دارت من جديد، بعد عودة الكهرباء «بقى لنا 3 ساعات من غير شغل، ربنا يهون الشدة».[ThirdQuote] الساعات تمر بسرعة، حان موعد العودة إلى المنزل، علامات الإرهاق بدت واضحة على وجهه، رغم الابتسامة التى يحاول ألا يخفيها، يودع العمال متجهاً إلى المنزل وفى سريرته نفس مخاوف الذهاب، بالوعة دون غطاء، سلك كهرباء مكشوف، قطار معصوب العينين، قنبلة تختبئ هنا أو هناك، يتنفس الصعداء بمجرد أن يضع إحدى قدميه على أولى درجات سلم المنزل، «أنا وصلت البيت، الحمد لله». قلب الرجل الأربعينى لا يهدأ قبل أن تطالع عيناه جل الموجودين بالمنزل، يسأل زوجته عن الأولاد بأسمائهم، «فين جهاد؟ طب فين زياد؟»، يكمل سرد الأسماء، ينظر إلى الطعام الذى أعدته الزوجة لرفيق دربها خائر القوى من فرط العمل طيلة النهار، قبل أن يضع أى لقمة فى فمه، يهتز المنزل بصورة مفاجئة، هزة خفيفة، ثم يستقر المكان، «يا ستار استر يا رب»، يقول «سيد» وهو يضع يده فوق قلبه. شبح الموت قريب، أقرب مما يتصور، «فيه بيتين جنب جبل المقطم وقعوا الشهر اللى فات، الحكومة وعدتهم بالتعويضات، ومحدش رد عليهم، ولسه نايمين فى الشارع»، الخوف سيطر عليه بسبب التشققات التى لحقت بمنزله «مش عارف ساعتها هاعمل إيه؟ الشكوى لغير الله مذلة»، المنزل الذى ورثه عن والده، «ده بيت متأسس، بس غصب عنى لازم أخاف، ده خوف أصابنى من كتر البيوت اللى بتقع». البيوت الآيلة للسقوط تزداد فى منطقته، «الناس هى السبب، البيت بيكون قوى ومتين بس المكان داخل حزام غير آمن، ممكن يموتوا فى أى وقت، وزيرة العشوائيات طلبت منهم أكتر من مرة الرحيل لكنهم بيرفضوا، يتحملوا النتائج بقى»، «سيد» يدرك أنه ممن ينتظرهم الموت أيضاً إذا لم يحسن التصرف، يحمد ربه سراً وعلانية أن بيته المتواضع بعيد عن الخطر ظاهرياً، «ده ما يمنعش من الهزة كل يوم، بس ربنا يستر». ينهى طعامه غير آبه بما تناول، ليختطف ساعة من يومه لنوم الظهيرة، قبل النزول إلى المقهى، مثلما اعتاد يومياً، يطالع إحدى الصحف، يتناقل مع رفاق الشقاء أحاديث معظمها تدور حول ثمار يوم أنهوه فى عمل شاق، أو رحلة حياة بسنواتها القاتمة، لكن معظم الحديث عن أحوال البلد، بحسبه «شوية مشاريب على شوية حكاوى، الخوف بيقل لما بنتكلم عن مشاكلنا»، هكذا يفتت «سيد» جبال الخوف والظنون أحياناً. «اللى يشوف بلاوى الناس» يقول وهو منهمك فى أحاديث جانبية، قهقهات مدوية، تجارب ونوادر، كل منهم ينقلها للآخر بغرض مضيعة الوقت، «شفت حديث الريس إمبارح؟»، يقول «يوسف»، أحد رفاق سيد، فيرد عليه قائلاً «يا عم سيبك من المؤتمر الاقتصادى، خلاص انتهى على خير، كلمنى عن مسيرة الإخوان من يومين»، فيجيب عادل «وقّفوا الطريق الغربى ووقّفوا لنا حالنا، ربنا يوقف نموهم»، نوبة ضحك، أنهت الحديث مع آخر رشفة شاى، ليودع «سيد» لحظات السعادة و«الفضفضة» التى يخطفها من يومه العابس. تسوقه قدماه إلى البيت مرة أخرى بعد أذان المغرب حيث موعد المكوث مع الأولاد، بعضهم تلهيه المذاكرة، والبعض الآخر مشغول بالدردشة على مواقع التواصل الاجتماعى، «ابنى زياد يعشق الإنترنت، أكتر حاجة بتخوفنى استخدامه المستمر، طبعاً أنا مش معاهم طول اليوم، ومش ممكن أحرمهم من حاجة بقت مهمة فى عصرهم». الخوف من العلاقات غير المشروعة أو العابرة واحد من مخاوف ولى الأمر على الأبناء فى أعمارهم الحرجة، فهو من وجهة نظره مضيعة للوقت، «بانصحهم يذاكروا لكن أعمل إيه الكتب أصبحت مملة عندهم حق»، يحاول الرجل الذى فشل فى الحصول على الثانوية العامة فك طلاسم أحد كتب الوزارة، فيفشل، ثم يكرر المحاولة، «الكتب صعبة، وعايزة إعادة نظر». الخوف على مستقبل الأولاد الغامض يستشرفه الرجل الأربعينى من مناهج خاوية من أى إبداع، «دلوقت البطالة انتشرت فى كل مكان، حتى لو حصلوا على مجموع عالى فى الثانوية، المدارس الحكومية والخاصة، مفيش مدرسين، والمناهج معقدة، العيال هيطلعوا علماء وعباقرة مثلاً؟!». يغلبه النوم، يقاوم قدر استطاعته ما تبقى من ساعات فى يومه، صخب أحد البرامج الحوارية التى ما زالت تتحدث عن تأجيل الانتخابات البرلمانية يقتحم خلوته بأبنائه، «دماغنا وجعتنا، كلمونا عن المستقبل المتفائل»، يقلب بين قنوات التلفاز، موضوعات الحلقات متباينة بين شكاوى مواطنين فى مثل حاله من ارتفاع الأسعار، وبرامج اجتماعية تزيد مخاوفه على أبناء ربما يتعرضون كغيرهم ممن يعيشون على تراب هذا الوطن الذى يتحدثون عنه، فيصطدمون بالإهمال والتحرش وانهيار الأخلاق وتعاطى المخدرات. يقرر أن ينهى يومه بملء إرادته، يتذكر رحلته إلى الإسكندرية باكر، الموعد الأسبوعى مع إحدى الشركات الموردة للمواد الخام بمصنعه، حوادث الطرق التى تعترض سبيله زادت بصورة لافتة هذه الأيام، «فيه مرة عند طريق الأوتستراد، العربية نزلت بىَّ فى حفرة، أصبت فى عمودى الفقرى»، الطريق غير الممهد ليس هو فحسب وراء تعرضه وكل سالكى نفس الطريق للحوادث، «خايف أسافر بالقطر، بضطر أركب الميكروباص، بوصل بالسلامة بالعافية، وقتها بنطق الشهادة». يؤوى إلى فراشه مُجهداً، عابساً، يغمض عينيه بعد أن أدرك أنه لا مفر من تدوين رسالته أو الشكوى فى اليوم التالى، «سيادة الرئيس.. معالى رئيس الوزراء.. وزير الداخلية.. أنا مواطن عمره ما خاف فى يوم.. لكنه أصبح مرعوباً»، ينسج حروف رسالة ينوى كتابتها، فيعاود تمزيقها، وهو مقتنع بأن الخوف بات رفيق حياته داخل وطنه حتى إشعار آخر، أو هجرة إلى عالم آخر.