لم يختلف الحال كثيراً بالنسبة لعدد من العاملين بوظائف مساعدة للقضاة أو عضو النيابة العامة، عن باقى الموظفين فى الجهات الحكومية الأخرى، فالرشوة والمحسوبية والوساطة هى العوامل الأكثر تأثيراً على المتعاملين مع ضعاف النفوس من هؤلاء الموظفين، باختلاف مسمياتهم ما بين «حاجب محكمة، وأمين سر، ومحضر وسكرتير»، والأمثلة كثيرة على ضياع حقوق مواطنين ووقوع جرائم أكبر بين المتقاضين، قد تصل للقتل أحياناً، بسبب ضياع مستند مهم من ملف قضية، أو سرقته أو حتى بيعه.
«فيه دواير فى المحاكم معروفة بالاسم، بيكون أمين السر فيها بيمشى أموره بالفلوس، ومهما اشتكينا هما برضو شغالين كده، بنضطر نمشى حالنا فى حدود القانون عشان ما يعطلش شغلنا وقضايانا»، بتلك الكلمات وصف أحد المحامين، فضل عدم ذكر اسمه، تلك النوعيات من الموظفين الذين لا يألون جهداً فى جمع مبالغ الرشوة تحت شعار «فتح مخك»، مشيراً إلى أنه قد يدفع مبلغاً بسيطاً مقابل الحصول على صور رسمية من قرار المحكمة أو تقديم مذكرات وطلبات وغيرها، فى إطار القانون، لكنه أوضح أن هناك ما هو أكثر من ذلك قد يرتكبه هؤلاء الموظفون، لكن بطرق ومبالغ مختلفة، فقد يتمكن أمين السر من إخفاء ورق مهم أو دليل فنى أو أصل شيك من مستندات قضية لصالح أحد الخصمين بعد حصوله على رشوة منه، وهو ما يفسد القضية.
وأضاف: «فى بعض الأحيان، قد تصل الأمور إلى بيع ملفات قضية بالكامل وادعاء سرقتها أو اختفائها، وبذلك يضيع حق الطرف الآخر، وقد يتهم محاميه بالتخاذل والإهمال باعتبار أنه يسلمه هو تلك المستندات ويعتبره خائناً للأمانة بغض النظر عن سبب فقدان تلك المستندات التى تصل لشيكات بملايين الجنيهات»، لافتاً إلى أن جرائم أصحاب تلك النفسيات المريضة تتلخص فى الرشوة والإهمال والتربح من وراء وظيفته والتزوير، مشيراً إلى أنه فى بعض الأحيان قد يحصل أمين السر أو السكرتير على مبالغ مالية ليضيف أرقاماً أو حروفاً بسيطة على مستند يغير بها مجرى القضية بالكامل، ولا يمكن مفاداتها قانوناً، لأنه من المفترض أن ملف القضية يكون فى حوزة المحكمة.
الأمثلة كثيرة ومثبتة بالمحاضر والتحقيقات، ومنها ضبط مباحث البحيرة مقدم شرطة بإدارة الترحيلات وسكرتيراً بمحكمة استئناف الإسكندرية «مأمورية دمنهور» أثناء تقاضيهما رشوة من أحد المتهمين، الذى كان يتم التحقيق معه وقتها بنيابة مركز دمنهور، وذلك فى إحدى الكافيتريات وتم التحفظ على مبلغ الرشوة وتسجيل اللقاء بالصوت والصورة بمساعدة قسم المساعدات الفنية بوزارة الداخلية، وذلك بعد أن أبلغ عنهما المتهم «صاحب مكتب سفريات» الذى أفرجت عنه النيابة، بأنهما طلبا منه مبلغ 10 آلاف جنيه مقابل سرقة حرز القضية المتهم فيها.
وقد تكون الجريمة التى ارتكبها الموظف ساعده عليها وجرأه على ارتكابها وكيل نيابة، مثلما حدث فى مدينة حلوان عام 2011، عندما تمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على وكيل نيابة الصف، وسكرتيره، متلبسين بتقاضى رشوة، بعد ورود بلاغ من صاحب شركة مواد بناء وعضو مجلس شعب سابق عن دائرة مركز أطفيح، ضدهما، قال فيه إن وكيل النيابة طلب منه من خلال سكرتيره مبلغ 50 ألف جنيه رشوة مقابل إنهاء إجراءات التحقيق لصالحهم فى قضية متهم فيها والد صاحب الشركة بإحراز سلاح بدون ترخيص، وقضية إهمال طبى بجمعية خيرية ملكه، وأسفرت تحريات ضباط إدارة مكافحة جرائم الرشوة واستغلال النفوذ عن صحة البلاغ، وعقب تقنين الإجراءات وبالتنسيق مع قطاع نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإدارة العامة للمساعدات الفنية وبحضور المحامى العام المنتدب من المكتب الفنى للنائب العام، وبناء على القرار الصادر من المجلس الأعلى للقضاء برفع الحصانة عن وكيل النيابة، تم ضبطه متلبساً بتقاضى 20 ألف جنيه كدفعة من مبلغ الرشوة من المُبلغ بإحدى الكافيتريات بمنطقة المعادى، وضبط سكرتيره بتهمة مشاركته فى الجريمة.
المستشار رفعت السيد، رئيس محكمة جنايات القاهرة السابق، كان قد أصدر حكماً فى عام 2009 فى قضية مشابهة، لعب فيها أيضاً «أمين سر المحكمة» دور الوسيط، لكن فى تلك المرة مع قاضيين، عاقبهما رئيس المحكمة فى النهاية بالسجن 5 سنوات، فيما قضت بسجن أمين السر لمدة 3 سنوات، بناء على تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا أن القاضيين طلبا مليون جنيه على سبيل الرشوة من منتج سينمائى وصاحب صيدلية، مقابل إصدار أحكام قضائية لصالحهما، وأنهما تسلما 70 ألف جنيه من مبلغ الرشوة بالفعل، وأن أمين السر توسط فى واقعة الرشوة الخاصة بقضايا الشيكات.
وبعيداً عن التربح أو الرشوة، فبعض هؤلاء الموظفين قد يلجأ لأعمال إجرامية مستغلاً وظيفته فى القضاء، ومعتقداً أن لديه حصانة قد تحميه من المساءلة القانونية، ففى مركز ههيا التابع لمحافظة الشرقية ضبطت أجهزة الأمن «سكرتير نيابة» أثناء قيامه ببيع سيارة مبلغ بسرقتها بمدخل قرية المهدية، بعد ورود معلومات حول قيام شخص ببيع سيارة مسروقة، وبانتقال أجهزة الأمن تبين أنه يعمل سكرتير نيابة محكمة الأسرة ببندر الزقازيق.
أما فى شمال سيناء، فقد قرر سكرتير نيابة العريش أيضاً أن يبحث عن أقصر طريق للثراء السريع، ولجأ إلى الاتجار فى المواد المخدرة بجانب عمله فى القضاء، حيث تم إلقاء القبض عليه لحيازته ربع كيلو هيروين، وبمواجهته اعترف بحيازته للمخدرات بهدف الاتجار فيها فتم اقتياده لقسم ثالث العريش وبعرضه على النيابة قررت حبسه لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيقات.