"الهيبة" فى خطر

كتب: جهاد عباس

"الهيبة" فى خطر

"الهيبة" فى خطر

قضاة احتلوا شاشات التليفزيون، وتناولت الصحف تصريحاتهم، وباتوا ضيوفاً دائمين على برامج «التوك شو»، يعلنون مواقفهم السياسية بوضوح، ثم يعقّبون على أسباب وحيثيات الحكم الذى أصدروه، يرفضون استنكار الرأى العام، وتعقيبه على أحكامهم، يوضحون آراءهم فى بعض الشخصيات الذين ينظرون فى قضاياهم، وبعدها بأيام يفصلون فى تلك القضايا بحكم قاطع، يرمون بقرارات مجلس القضاء الأعلى عرض الحائط، المتعلقة بمنع ظهور القضاة إعلامياً وحديثهم فى السياسة، حتى أصبح المشهد صراعاً سياسياً واضحاً تعكسه وسائل الإعلام. يقول شوقى السيد، أستاذ القانون والفقيه الدستورى: «القاضى ممنوع من الظهور إعلامياً أو الحديث فى الشأن العام منذ عهد على ماهر عندما كان وزيراً للحقانية سنة 1948، وبعدها جاءت قرارات مجلس القضاء الأعلى متتالية حتى الآن، معتبرة خروج القضاة إعلامياً وحديثهم عن مواقف سياسية، هو خروج عن واجبات وظيفة القاضى، وعن وجوب كونه محايداً، وعدم الانحياز لأى موقف سياسى والإعلان عنه، أما حق القاضى فى المواطنة ورأيه فى الحياة العامة والقضايا، فيمكن التصريح به من خلال الجمعية العمومية، حيث يخرج أى رأى من خلال بيان تصرّح به الجمعية العمومية ونادى القضاة، وتلك البيانات تهدف إلى الصالح العام». ويضيف: «أما عند إفصاح القاضى عما يتبنّاه من آراء سياسية، فيعد انتهاكاً واضحاً للموضوعية وحياديته فى عمله، وانحيازاً لاتجاه ضد اتجاه آخر، وتأثيراً على شهادة الشهود، ويجب معاقبة القاضى، وفقاً لقانون السلطة القضائية، وإرساله إلى اللجان التأديبية، التى تتخذ قرارها، إما بعزله عن منصبه، وإما تحويله للقيام بمهام إدارية بعيداً عن الفصل فى القضايا». ويتابع: «القاضى من حقه الظهور إعلامياً فى حالة واحدة، وهى الحديث عما يتعلق بالقانون أو القضاء، مثل توعية الناس بمواد القانون وتوضيحها لهم، دون التطرّق لقضايا سياسية، وتلك خطوة يسبقها حصوله على إذن بذلك من المجلس الأعلى للقضاء، لأن كل ما يصرّح به القاضى لا يتجزّأ عن موقف المجلس، وهذا أيضاً ما أعلنه المجلس الخاص فى مجلس الدولة، حيث وضع أسساً ومبادئ بعدم ظهور أى عضو من أعضائه دون الحصول على إذن مجلس الدولة». وأشار إلى القضايا التى تعتبر شائكة وتثير الرأى العام بشكل واضح. وقال إن من حق القاضى توضيح كل ما يرغب فى الإفصاح عنه من حيثيات الحكم أثناء إعلانه الحكم على منصة القضاء، وليس فى «استوديوهات» البرامج التليفزيونية، لأنه ليس من حقه أن يعلق على حكمه أو حكم أحد زملائه من القضاة، فى حالة الإعدامات الجماعية، الذى يعتبر «عواراً» قانونياً، ليس للقاضى ذنب فيه، فمن حق القاضى أن يطالب بتعديل قانونى أثناء مداولات أحكامه، وهو على المنصة، لتكون رسالة من القاضى إلى المشرّعين من خلال طرح مدونة الحكم وليس فى مؤتمر صحفى، والقاضى ليس عليه أن يبرّر موقفه أمام الرأى العام بعد إصدار حكمه، فحكمه يحافظ على مكانته». وعن المواقف الجادة التى اتخذها المجلس الأعلى للقضاء، أشار إلى ما اتخذ ضد «قضاة من أجل مصر» الذين ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، من قرار عزلهم من مناصبهم، عندما أدلوا بتصريحات سياسية فجة تتسم بعدم المهنية. وأضاف: «هناك واقعة أخرى قام بها مجلس القضاء عامى 1995 و1996، حيث أرسل المجلس تحذيرات إلى المجلس الأعلى للصحافة وللأجهزة الإعلامية بمختلف أنواعها، بعدم ظهور القضاة إعلامياً، حتى لا يؤثر الإعلام على شهادة الشهود فى بعض القضايا، ولا يقف عائقاً أمام سير العدالة، ولا يؤثر كذلك على الرأى العام. أما موقف نادى القضاة أثناء حكم جماعة الإخوان المسلمين، فقد كان موقفاً متفقاً عليه من قبل الجمعيات العمومية كلها، والغرض منه إعلان استقلال القضاء وحياديته، فى ظل أجواء سيئة كانت تمر بها البلاد، فكانت وقفة تهدف للدفاع عن الحريات».[FirstQuote] وختم شوقى السيد حديثه، قائلاً: «إذا توقف مجلس القضاء الأعلى، عن إتمام مهامه وعدم معاقبة من ينتهك قوانين السلطة القضائية، فيعتبر المجلس قد أخل برسالته وترك الأمور خارج السيطرة، وسينتج عنها تفاقم الوضع، ويجب أن تبقى علاقة الإعلام بالقضاء محايدة، وذلك الغرض منه الحفاظ على مكانة القاضى وحمايته من الانجراف فيما لا يصح». «ما يحدث منذ 25 يناير 2011 وحتى اليوم، من إعلان القضاة آراءهم السياسية مهزلة»، هذا ما قاله الدكتور رأفت فودة، أستاذ ورئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة القاهرة. وأوضح أن أى قضية أبدى فيها القاضى رأيه فى وقت سابق، كان عليه أن يتنحّى تماماً عن القضية، التماساً للحرج، وفى كل مكان فى العالم لا يحق للقاضى أن يصرّح بآرائه السياسية أو أن يعمل بالسياسة، وأن القاضى ليس من حقه أن يحكم من أجل السلطة، ولا ضد السلطة، يجب عليه أن ينظر إلى القضية والأوراق التى أمامه بموضوعية تامة، ولذلك ليس من حقه أن يبارك سياسة معينة لحزب أو حكومة، أو يكنّ العداء ضد حزب أو قوى سياسية بعينها، وإنما كمواطن من حقه أن يُبدى آراءه فى قضايا عامة مثل التعليم والصحة وغيرها، وحتى تلك القضايا لها ضوابط خاصة، وهى أن يحدّد الموضوع الذى سيتحدّث فيه مع الوسيلة الإعلامية ثم يحصل على تصريح من المجلس الأعلى للقضاء، قبل التطرّق للقاء الإعلامى، فالقاضى والموظف الحكومى سواء، لأن ذلك ما يجب أن يقوم به أى مسئول أو موظف حكومى تابع لجهة أو مؤسسة، حيث إن تصريحاته تعد جزءاً من كيان تلك المؤسسة، وليست تابعة له فقط. وأضاف: «فى الخارج نجد للقضاة نقابات، تدافع عن حقوقهم وتتبنّى قضايا إنسانية عامة، ولا تنشغل بالسياسة، أما فى مصر فهناك نظام ما يُعرف بالنوادى، أى نادى القضاة، وليس لديهم نقابة خاصة بهم، أما قمة الفوضى، فما حدث فى سنة حكم محمد مرسى، حيث تفاجأنا بالقضاة الذين يعلنون تأييدهم لمحمد مرسى، والقضاة الذين يقفون ضد محمد مرسى، وأخذت الأصوات فى التعالى والصراخ بغير موضوعية، وانجرف رجال القضاء، مفصحين عن آرائهم السياسية». أما من حيث الرقابة المتعلقة بالظهور الإعلامى للقضاة، فيقول رأفت فودة: «المجلس الأعلى للقضاء أغمض عينه عن بعض التجاوزات المتكرّرة من رجال قضاء معروفين، فى حين أحال بعض القضاة أصحاب الميول السياسية المضادة إلى الفصل من مناصبهم وغيرها من أساليب العقاب، وذلك أمر غير موضوعى على الإطلاق». المستشار محمد حامد الجمل، رئيس مجلس الدولة الأسبق والفقيه الدستورى، قال: «القاضى من المفروض أنه يؤدى واجباً مقدساً، وأن يتعشّم فيه المواطنون إقامة العدل، والعدل لا يتسق أبداً مع وجود ميول سياسية لدى القاضى، لأنه بمنتهى التلقائية سيجور على طرف على حساب الآخر، وعندما قرر القضاة أن يسلكوا هذا المسار المهنى فى حياتهم، فإنهم على وعى وإدراك تام بأن هناك الكثير من المحظورات التى من الواجب أن يتجنبوها، ومن ضمن تلك الواجبات عليهم، أن يظهر رجال القضاء دائماً بمظهر مناسب، وبزى لائق، وبطريقة حديث لائقة، وألا يتفوه أبداً بألفاظ نابية، وألا يترك نفسه للغضب والانفعال دون ضابط، فما بالكم بالظهور إعلامياً والإفصاح عن آراء سياسية، فإنه أمر مرفوض تماماً». وأكمل قائلاً: «الظهور الإعلامى، يضر القاضى ويفسده أكثر مما يدعمه فى أداء عمله بمهنية، أما الحديث والإعلان عن الآراء السياسية فهو أمر تحاسب عليه السلطة القضائية، وليس ذلك فقط، بل على القاضى أن يجتهد ليبعد عنه الشبهات.