ظلت ضربات طائرات التحالف العربي الذي تقوده السعودية تحت اسم "عاصفة الحزم" على مدى شهر كامل تدوّي بقوّة في سماء وأرض اليمن، ولا يبدو في الأفق أي حل سياسي حتى الآن، بحسب فلورنس جاوب، المحللة في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية.
وسلطت "جاوب" في دراسة نشرها المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، الضوء على انهيار القوات المسلحة اليمنية، وكيف أدى هذا إلى تفاقم الوضع الأمني المتردي في البلاد، منوهة إلى أن أسباب مشاكل اليمن تتجاوز التفسيرات المفرطة في التبسيط القائمة على العداوات الطائفية.
وتقول "جاوب" إن هناك طرفا فاعلا ظل غائبًا عن المشهد وهو القوات المسلحة اليمنية، فعلى الرغم من المساعدة التي قدمتها وحدات من القوات المسلحة اليمنية لإخراج التغيير السياسي إلى الوجود في عام 2011، فإنها لم تلعب أي دورٍ حاسم في أحداث عام 2015، إذ تُسيطر السعودية الآن على المجال الجوي لليمن سيطرة كاملة، كما أن القواعد العسكرية اليمنية الآن إما هدف لاجتياح الحوثيين وإما هدف لقصف التحالف العربي، ومجرد شن العملية العربية أصلا هو شهادة على الانهيار العسكري لليمن من الداخل.
وتُشير "جاوب" إلى أنه على امتداد العقود الماضية، تطورت القوات المسلحة اليمنية، ولعبت دورًا حاسمًا في الصعود السياسي لمعظم خلفائهما، إذ كان علي عبد الله صالح ضابطًا بالجيش ثم أصبح حاكمًا عسكريًّا، ووصل إلى السلطة في عام 1978 .
ونمت القوات المسلحة اليمنية في عهد "صالح" بسرعة من 3 آلاف فرد إلى 66700 فرد، وخاضت هذه القوات حربًا دمويةً لوقف انفصال الجنوب في عام 1994، ونفّذت 6 حملات ضد التمرد الحوثي، ونفّذت العديد من عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
ولفتت "جاوب" إلى أنه كان يُعتقد أن القوات المسلحة تخضع خضوعًا تامًّا لسيطرة "صالح" في ظل تولي أفراد أسرته قيادة وحداتها الرئيسية، لكن عندما تفجرت الاحتجاجات الشعبية ضد "صالح"، انقلب عليه ضباط عسكريون كبار ليس أقلهم اللواء علي محسن الأحمر قائد الفرقة الأولى المدرعة، وأدي ذلك إلى هروب ضباط كبار آخرين ووحدات كاملة، مما ساعد في تغير النظام، وعلى الرغم من ذلك برزت القوات المسلحة اليمنية من أحداث 2011 أضعف من أي وقت مضى بمجرد أن صارت ساحة اقتتال للقوى السياسية المتصارعة.
وحول مقدمات ضعف الجيش اليمني، أوضحت "فلورنس" أن هناك 3 تطورات ساهمت في حالة الضعف الراهنة التي تعتري القوات المسلحة، وجاء أولهما بسبب تدهور الأوضاع في الجيش تدهورا شديدًا في العقد الأخير من حكم صالح لفرض سيطرته عليه، وتعيين المناصب العسكرية على أساس العلاقات الشخصية.
ويأتي ثاني أسباب ضعف الجيش أنه ما زالت التداعيات السلبية لما حدث بين محسن الأحمر وصالح، هي الواقعة التي شقت الصف في عام 2011، وتتردد أصداؤها إلى اليوم، وثالثها كانت الإصلاحات التي نفّذها هادي خليفة صالح معيبة من نواحٍ عديدة، ومن ثم فعندما وصل المتمردون الحوثيون إلى العاصمة صنعاء، كانت القوات المسلحة عاجزة عن الاستجابة بفعالية.
ولفتت "جاوب" إلى أن الأمور اتخذت منعطفًا نحو الأسوأ في عام 2000 عندما عيّن "صالح" ابنه أحمد علي في منصب رئيس الحرس الجمهوري، فحوّله عندئذ إلى قوة راقية التدريب وعالية التجهيز مؤلفة من ثمانية ألوية، وبهذا التحرك صارت القوات المسلحة اليمنية تنقسم إلى 3 أقسام، قوة شديدة الفعالية تحت قيادة أحمد علي، والفرقة الأولى المدرعة بقدراتها المعقولة تحت قيادة اللواء محسن، وجيش نظامي منهك ومستنزف عالق في مكان ما بين الاثنين، وفي الوقت نفسه، كانت عناصر القوات المسلحة الثلاثة جميعًا تخوض سلسلة مكثفة من الحملات القتالية على الحوثيين، إذ كان نصف الألوية في البلد ضالعًا في هذه الحرب، بل واستلزم الأمر تجنيد متطوعين من القبائل لتشدّ من أزر قوات تزداد إنهاكًا يومًا بعد يوم.
وحول الجيش اليمني والصراع السياسي، أشارت "جاوب" إلى أنه دائمًا ما تكون الصراعات على السلطة التي تدور داخل القوات المسلحة أعراضًا لمرض سياسي واسع الانتشار، منوهةً إلى أن الحرب الأهلية اليمنية في 1994 تفجّرت في المقام الأول بسبب خلافات على تقسيم المناصب بين الفصيلَيْن الشمالي والجنوبي في القوات المسلحة.
وبعد سقوط "صالح"، سعي معارضوه إلى الاستيلاء على السلطة، فيما سعى أنصاره إلى الاحتفاظ بها، وأما الجنوبيون الذين كانوا استُبعدوا من القوات المسلحة منذ الحرب الأهلية فلم يُشاركوا في هذا الصراع، كما لم يُشارك فيه الحوثيون، وإن كانوا استفادوا من الفراغ الأمني الذي نتج عنه.
ورأت "جاوب" أن أكبر خطأ ارتُكب في إصلاح القوات المسلحة اليمنية هو أنْ بدأت العلاقات الشخصية تُقدَّم على الأولويات الأخرى، وهذا لم يؤجج التوترات السياسية فحسب، بل تعارض أيضًا مع توصيات اللجنة الفنية، التي ركّزت إلى حد كبير على تنفيذ قانون التقاعد، وإجراء التدوير الوظيفي للقيادات، وقضية الجنود الوهميين، وتحقيق التوازن بين الوحدات من حيث الحجم والعتاد، وبهذا يكون هادي، بإدارته القوات المسلحة بما يتماشى مع الولاءات الشخصية، كرر الأخطاء التي ارتكبها صالح من قبله.
في هذه الأثناء، أعاد الحوثيون الذين قوّت ظهورهم المعارك، وزادهم تمكينًا تحالُفهم مع صالح وكسبُهم الدعم الشعبي بفضل مناهضتهم للمؤسسة العسكرية تقديم أنفسهم بوصفهم الجيش اليمني الجديد، ولم يكن من قبيل المصادفة عند دخولهم صنعاء أن استهدفوا على وجه الخصوص مقر القيادة العامة للقوات المسلحة ووزارة الدفاع ومقر قيادة المنطقة العسكرية السادسة، علاوة على ذلك، فإن عشرات الدبابات والكميات الهائلة من الأسلحة الثقيلة التي تمكنوا من الاستحواذ عليها جاءت كلها مباشرة من عناصر الجيش اليمني التي انشقت أو هربت من الخدمة العسكرية.
وبحسب الدراسة، فإن الضربات الجوية الحالية قد تُسفر عن إضعاف الحوثيين، لكنها لن تفعل شيئًا لحل المشكلة الأساسية، وهي انفجار الدولة من الداخل نتيجة التناحر السياسي الشديد، وفي حالة العثور على حل سياسي، فسوف تكون إعادة توحيد فلول القوات المسلحة اليمنية من الأولويات، غير أن هذه المهمة ستكون أصعب من ذي قبل، نظرًا إلى أن الوحدات باتت الآن يقاتل بعضها بعضًا قتالا مكشوفًا.