م الآخر| من مدينة النمرود إلى تدمر.. خطى لتدمير الحضارة
احتلت البلاد العربية جميعها و مازال منها ما هو تحت الإحتلال، على مدار التاريخ بداية من الحملات الصيليبية، و من بعدها الإحتلال العثماني، و مروراً باتفاقية سايكس- بيكو (1916م) لتقسيم الوطن العربي بين قوى الاستعمار الكبرى فرنسا و بريطانيا، تبعتها معاهدة لوزان (1923م) لإضعاف سوريا و ارضاء تركيا في زمن الجمهورية بضم اقاليم سورية لها، ليبدأ الصراع العربي- الإسرائيلي (1948م) في اليوم التالي لإنتهاء الإنتداب البريطاني على فلسطين و تنفيذاً لـ(وعد بلفور)، ثم يأتي الغزو الأمريكي للعراق (حرب الخليج الثالثة 2003م)، فمخطط الإدارة الأمريكية للوطن العربي الجديد (2006م)، و حتى ثورات الربيع العربي (2011م).
و لم يكن الاستعمار العسكري هو الحيلة الوحيدة للمستعمر الأجنبي فقام بالتوازي بمحاولاته لتفتيت الدولة الواحدة إلى عدة دويلات بناء على العرق أو المذهب و القضاء على الهوية القومية وهذه النقطة الأخيرة سوف نعود اليها مرة أخرى في حديثنا. و لكن في ظل كل هذه المحاولات الضاغطة لنسف الوحدة العربية لهذا الوطن الواحد و تقسيم غنائمه و خيراته فيما بينهم حتى الآن.
يمكن القول ان العرب قاوموا في كثير من الأحيان، و ردوا بعض حقوقهم المسلوبة في أحياناً أخرى بالقوة أو بالتفاوض معتمدين في ذلك على هويتهم القومية الضاربة بجذورها في اعماق التاريخ. فالوطن العربي مهد الحضارات الآشورية و الكنعانية و الفرعونية ثم تلتهم الحضارة العربية التى انخرط فيها ابناء هذا الوطن من المحيط إلى الخليج و كذا الوافدين عليه ليضعوا في عصرها أسس وركائز العلوم و الفنون و الأداب التى قامت عليها الحضارة الأوربية الحديثة من بعد.
إذن فإن تاريخنا و حضارتنا هي المهد الذي تربيى فيه الصغير و العزيمة و الكبرياء لشباب الوطن و العصا التى يتكأ عليها الشيخ ليحكي امجاده، بالفعل كانت الهوية و التاريخ حائط الصد القوي الذي منع تفتت هذه الأمة و فنائها على مر التاريخ، بل كانا وقود المقاومة ضد المحتل.
و لأن عدونا دائماً لا يحيد عن هدفه فلقد استوعب الدرس و علم ان هذا الوطن لن يعود تحت سيطرته الا بالقضاء على تاريخه و هويته. و لقد بدأ منذ فترة محاولاته التجريبية لنظرية (هدم الحضارات..سبيل الاحتلال) من اجل تفيت الدولة الواحدة إلى عدة دويلات"، فاثناء و بعد حرب الخليج الثالثة كان التركيز على ضرب الهوية العراقية بالخلافات العرقية تارة و المذهبية تارة أخرى، لاحظنا ايضاً انه منذ بداية الحرب وجدنا (نهب المتاحف) لغياب الأمن!! و لتستمر هذه السياسة الناجحة حتى نسف (مدينة النمرود) ايضاً على يد (الدواعش) في غياب الأمن!! و كيف هذا و القوات الدولية تحيط بالعراق ؟! فأتت النظرية ثمارها ..فأين العراق؟..و أين العراقيين؟.
السيناريو يتكرر ..فالمحتل يعلم قيمة سوريا .. فنجد التنسيق و الاتفاق بين القوى الكبرى قد تم، و كما كان لتركيا مكتسبات من (معاهدة لوزان) فهي تتداخل اليوم لتوسيع دائرة مكاسبها في العراق و سوريا، و لتكن اسرائيل هي الرابح الوحيد في المنطقة...انه التاريخ يعيد نفسه يا سادة! .
و لكي تسهل المهمة و تقوى السيطرة على الأرض هذه المرة .. فإنهم اعدوا سيناريو محكماً فبعد تدمير الجيش، تم خلق عده كيانات متشددة لتتسع حلقة الصراع فيما بينهم فمنهم من يسيطر على الشمال و الآخر يهيمن على الشريط الساحلي و ثالث في الجنوب، و لكي لا يستعيد العربي نفسه مرة أخرى نجد (الدواعش) هموا للإنقضاض على التاريخ و الهوية السورية (حائط الصد الأخير). فهل جاء الدور اليوم على سوريا لتفقد الهوية و يفقد السوريون الوطن ؟، أم هل ستستفيق الشعوب العربية وتعي الدرس و تتوحد؟.