"الوطن" تكشف وقائع سرقة رضيع من "أم المصريين"
"الوطن" تكشف وقائع سرقة رضيع من "أم المصريين"
طفل رضيع، لا يتجاوز عمره 5 أيام، اختفى من حضّانة مستشفى أم المصريين بضواحى الجيزة فى ظروف غامضة، وأمرت النيابة بحبس ممرضتين ومدير الأمن بالمستشفى على ذمة التحقيقات بتهمة التقصير فى أداء عملهم، يتم حالياً تكثيف التحريات التى يقوم بها فريق البحث الجنائى بهدف تحديد المتهم بسرقة الرضيع من داخل حضّانة الأطفال، ومعرفة الهدف من السرقة.
«الوطن» التقت أطراف القضية الضحايا والمسئولين والمتهمين بالإهمال لمعرفة التفاصيل الكاملة لواقعة سرقة الرضيع.
تنتظر صفاء، الأم الثلاثينية، وضع مولودها الجديد بين ليلة وضحاها بعد انقضاء شهور الحمل التسعة، تباغتها آلام الولادة فى الثلث الأخير من ليلة السبت الماضى فتؤرق مضجعها. تمر دقائق ببطء شديد، ومعها يتزايد الألم، تحاول تحمل الألم، وبخبرتها السابقة أثناء وضع أطفالها الثلاثة تقول: «قلت ده ألم عادى، هستنى لحد الصبح وبعدين نروح المستشفى»، لكن الألم المستمر الذى لم تتحمله دفعها إلى إيقاظ زوجها للذهاب إلى المستشفى الذى شرع فى البحث عن سيارة تنقلهم إلى مستشفى أم المصريين بضواحى الجيزة والذى يبعد عن عزبة البكباشى التى يقيمون فيها بمسافة تقطعها السيارة فى عشرين دقيقة، على حد تقدير زوجها.
يروى عاشور عبدالعظيم، الأب الأربعينى الذى ينتظر عودة ابنه المسروق من دخل حضّانة مستشفى أم المصريين، ما حدث داخل مستشفى «أم المصريين» قائلاً: «بعد أذان الفجر وصلنا المستشفى ودخلت زوجتى إلى غرفة العمليات المخصصة للولادة، وبعد مرور 15 دقيقة خرجت ممرضة تُدعى غادة من غرفة العمليات وأخبرتنى: ربنا كرمك بولد، بس شارب من بطن أمه ولازم يروح الحضّانة دلوقتى». يؤكد عاشور أنه لم يشاهد ابنه أو يتعرف عليه، قبل ذهاب الممرضة به إلى الحضّانة، وذهب ليطمئن على زوجته، وتحرك بعدها إلى الحضّانة للاطمئنان على ابنه، لتؤكد له ممرضة ثانية أن ابنه داخل الحضّانة والمكان معقم ولا يمكنه الدخول، وطلبت منه شراء بعض المستلزمات الخاصة بطفله، يعود الأب بعد نصف ساعة ليعطى الممرضة المستلزمات الخاصة بطفله، محاولاً استمالتها بقوله «أشوف شكله من بعيد»، وأمام تأكيد الممرضة أن تلوث الغرفة أو إخراج ابنه من الحضّانة سوف يكون خطراً على صحة الطفل، يتحرك من أمام الحضّانة إلى غرفة زوجته بعد أن أكدت له الممرضة أنه يمكن أن يأتى فى الصباح لرؤية ابنه، يذهب الأب إلى الدكتور إسلام، مدير الحضّانة وطبيب الأطفال الذى قام بتشخيص حالة المولود، ليؤكد له أن حالة ابنه مستقرة، طالباً منه الذهاب إلى خزينة المستشفى لدفع رسوم دخوله الحضّانة 250 جنيهاً.
بينما تقول «صفاء»، الأم التى فقدت ابنها، إنها حاولت الاطمئنان على ابنها بعد والدته مباشرة بسؤال الطبيب عنه، خاصة بعد علمها بنقله إلى الحضانة، ليؤكد لها أن حالة ابنها مستقرة «لكن النبض سريع شوية، علشان كده راح الحضّانة».
وبعد مرور 10 ساعات غادر الأب والأم المستشفى دون ابنهما، بعد تأكيد الدكتور إسلام أن حالته مستقرة، مطالباً الأب أن يأتى لتسلمه صباح الغد، وهو ما قابلته الأم بالرفض فى بداية الأمر، لكنها استجابت له بعد إقناع زوجها لها بأن الانتظار ليس منه فائدة.
يعود الأب مساء نفس اليوم «الأحد» محاولاً رؤية ابنه والاطمئنان عليه، لكن ممرضة ثالثة غير التى كانت مع زوجته فى غرفة الولادة والثانية التى تسلمت الطفل، طلبت منه أن يشترى لابنه 5 حفاضات، لكنها رفضت دخوله لرؤية ابنه، مؤكدة له أن الدكتور لم يحدد له متى سيخرج ابنه، بدأ الأب يشعر بالقلق من استمرار حجز ابنه لليوم الثانى داخل الحضّانة، يذهب إلى قسم الاستقبال بالمستشفى لطلب الحصول على إخطار ولادة ليقوم بتسجيل ابنه.
فى تمام الساعة الثامنة مساء يوم الاثنين الذى اختفى فيه المولود من حضّانة المستشفى يؤكد محمد عادل، أحد أفراد الأمن بالمستشفى، أن الأمور كانت تسير بطبيعتها المعتادة كل يوم فى هذا التوقيت، بعض العاملين من ممرضات المستشفى فى الأقسام المختلفة يترددن عليه وأخريات يخرجن بعد انتهاء فترة عملهن، وكذلك نفر من أهالى المرضى الموجودين بالمستشفى، لم يحدث أى شىء يثير الانتباه، موضحاً أن المولود جسده صغير ومن السهل وضعه فى شنطة والخروج به دون أن يشعر به أحد، نافياً خروج أى شخص فى هذا التوقيت يحمل طفلاً على يده.
بينما داخل الحضّانة المكونة من غرفتين يوجد 5 أطفال حديثو الولادة وفقاً لدفاتر المستشفى، الغرفة الأولى على اليسار بها طفلان، الطفل المفقود ومعه طفل آخر، بينما الغرفة الثانية فى الجهة اليمنى بها ثلاثة أطفال، يتولى الإشراف عليهم ومتابعتهم اثنتان من الممرضات، ومع ملامسة عقارب الساعة الثامنة وصلت إلى القسم ممرضة ثالثة، هى إحدى اثنتين فى الفترة الليلية داخل الحضّانة، بينما الممرضة الثانية التى سوف ترافقها فى العمل بالفترة الليلية تأخرت ولم تصل بعد إلى المستشفى. وتؤكد الممرضات الثلاث (اثنتان شفت مسائى بينما الثالثة شفت ليلى) أثناء التحقيق معهن بعد السرقات أنهن كن يستبدلن ملابسهن داخل غرفة تغيير الملابس، وأثناء تسلم الممرضة الثالثة اكتشفت وجود طفل واحد فى الغرفة التى تقع على يسار الممر، يتم إخطار رئيس التمريض بالمستشفى التى قامت بدورها بإبلاغ مدير المستشفى الدكتور عبدالرحمن المهدى، الذى قام بإبلاغ الشرطة باختفاء الطفل.
وفى هذه الأثناء أجرى والد الطفل المسروق «عاشور» اتصالاً بالدكتور إسلام، المسئول عن الحضّانة بمستشفى أم المصريين، لكى يطمئن على وضع ابنه ويستفسر عن سبب منعه من رؤية ابنه حتى الآن، ليؤكد له الطبيب أن ابنه بخير ويستطيع تسلمه صباح الغد. بعد مرور ساعة جاء اتصال هاتفى من قسم شرطة الجيزة يخبر «عاشور» بسرقة ابنه ويطلب منه أمين الشرطة الحضور إلى قسم شرطة الجيزة.
لكن اللافت للانتباه أنه تم فتح باب جهاز الحضّانة الذى كان يقبع فيه الطفل المسروق بطريقة احترافية، وفقاً لمدير المستشفى الدكتور عبدالرحمن المهدى، موضحاً أن أى شخص ذى خبرة بالحضانات إذا حاول فتح الباب سوف يجد صعوبة فى ذلك، قد يحدث كسر أو تلفيات فى جهاز الحضانة، كما قام السارق بنزع خراطيم التنفس الصناعى عن الرضيع، وهذا العمل، وفقاً لمدير المستشفى، لا يجيده إلا الأطباء وطاقم التمريض أو من سبق لهم العمل فى هذه المهنة، الملاحظة الثالثة التى رصدها فريق التحقيق من مباحث قسم الجيزة هى فتح الدرج القابع أسفل جهاز الحضّانة وأخذ غيار الطفل منه، ويشير مدير المستشفى فى تصريحات لـ«الوطن» إلى أن عملية نزع الأجهزة الموصولة بالطفل وإخراج الطفل من الحضّانة وإلباسه ملابسه تستغرق 10 دقائق على الأقل إذا قام بها شخص محترف وذو خبرة بطريقة عمل الحضّانات، بينما الشخص غير المحترف يستغرق أكثر من ساعة حتى يستطيع الخروج بالطفل.
ووجد فريق البحث الجنائى الأسورة البلاستيكية الخاصة بالرضيع المسروق والمدون عليها «نجل عاشور» أمام غرفة الحضّانة، يوضح الأب كتابة كلمة نجل عاشور على الأسورة بدلاً من اسم الطفل لأنه لم يكن استقر على اسم المولود، بينما يقول الدكتور عبدالرحمن المهدى، مدير المستشفى، إن هذه أول مرة تحدث فيها عملية سرقة من الحضّانة، لأن الأطفال الموجودين داخل الحضّانة مرضى ليسوا مطمعاً للسرقة، خصوصاً أن حالتهم غير مستقرة.
يؤكد أحد أفراد الأمن العاملين على بوابة المستشفى أن ممرضة تُدعى «غ. س» تعمل بالحضّانات غادرت المستشفى قبل الثامنة مساء، قبل معرفتهم بواقعة السرقة، وخرجت من باب المستشفى لا تحمل فى يدها شيئاً بخلاف شنطة اليد الخاصة بها، وبعد خروجها بـ20 دقيقة اكتشفوا واقعة السرقة، تم حبس هذه الممرضة 15 يوماً على ذمة التحقيقات.
ويرجح أحد أعضاء فريق البحث أن يكون الدافع الرئيسى من عملية السرقة هو الانتقام، سواء من أهالى الرضيع أو من إحدى الممرضات أو من إدارة المستشفى، لكن عمليات التحرى ما زالت مستمرة ولم يتم الانتهاء منها حتى الآن. وأمرت النيابة بحبس الممرضتين اللتين كانتا موجودتين فى الشفت المسائى وتم اكتشاف عملية السرقة أثناء تسليم نوبتجيتهن إلى ممرضة أخرى فى الشفت الفترة الليلية لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق.