بعد 290 يومًا من إضرابه عن الطعام، استيقظ ليمارس العادة الروتينية، بمراقبة خيوط النهار وظلمة الليل، من مرقده في سجن تحت الأرض، التعاقب الكوني يذكره بما آل إليه جسديًا ونفسيًا وما كان عليه، يعود بذاكرته 10 أعوام سابقة، كان وزنه 153 كيلو جرامًا، يدرس في الصف الثالث من الثانوية العامة، وخُيِّل إليه في هذا الوقت، أن عقاب مدرب فريق كرة السلة المنتسب له الشاب بالجري حول الملعب لتأخره، أسوأ ما قد يمر، لكن القدر كان يعدّه لما هو أسوأ.
محمد صلاح الدين سلطان، نجل القيادي الإخواني صلاح سلطان، روى أنه حينما ذهبت الشرطة لإلقاء القبض على الأب في أغسطس 2013، عقب فض اعتصام "رابعة"، فلم تجده، فقادته هو إلى القسم، وبدلًا من أن يهندمه أبيه ليكون عريسًا، يسنده حتى يستطيع الوقوف على قدميه أمام المحكمة بعد الإضراب عن الطعام، الذي أفقده نحو 70 كيلوجرامًا من وزنه، ويناوله الشراب كي تبقى أجهزته الحيوية حية.
وجد الشاب العشريني نفسه متهمًا في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"غرفة عمليات رابعة"، يواجه اتهامات تتعلق بإعداد غرفة عمليات، لتوجيه تحركات تنظيم "الإخوان"، بهدف مواجهة الدولة وإشاعة الفوضى في البلاد، عقب فض اعتصامي "رابعة" و"النهضة"، كما اتهمتهم بالتخطيط لاقتحام وحرق أقسام الشرطة والممتلكات الخاصة والكنائس، وحُكم عليه بالمؤبد، إلى جانب 36 آخرين.
"أنا مضرب عن الطعام".. قرارًا اتخذه محمد سلطان، الحاصل على بكالوريوس علوم اقتصادية من جامعة أوهايو الأمريكية، منذ عام كامل وبضعة أشهر، رفضًا لاحتجازه دون ذنب ارتكبه، ولأنه "مش إرهابي" كما ذكر في إحدى خطاباته من محبسه، حتى قيل إنه صاحب أطول إضراب عن الطعام مسجل في السجون المصرية، والأشهر بين المساجين الأخرين، حتى جذب تعاطف العديد من المنظمات الحقوقية، وأُفردت له التقارير أكثر من شباب ثورة 25 يناير رغم خلفية أسرته الإخوانية.
عاد سلطان إلى مصر خلال ثورة 25 يناير، وكان مدير التطوير المؤسسي في شركة خدمات بترولية سابقًا، لكن إصابة والدته بالسرطان، جعلته دائم الالتصاق بها لمراعاتها، وأصيب في ذراعه برصاصة أثناء فض اعتصام "رابعة"، وذكرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في إتمام سلطان لـ400 يوم في الإضراب عن الطعام، أنه أصيب بالتهابات نتيجة تواجد الرصاص داخل جسده، فيما لم تقدم له أي رعاية طبية داخل سجن ليمان طرة، الموجود فيه، ووصلت حالته الصحية لمرحلة شديدة الخطورة، حيث وصل ضغطه إلى درجة منخفضة جدًا وهي 80/30، بينما وصل معدل السكر في الدم إلى 45، والأسيتون في عينه البول إلى +3 وهي نتائج تشير إلى أن حياته مهددة بالخطر.
"الأمعاء ليست خاوية"، برز التناقض بين ما رصدته "هيومن رايتس ووتش" وما أفاد به التقرير الطبي، الذي سلمته النيابة للمحكمة في 22 أبريل 2014، وذكر أنه بالكشف عليه بعد حضوره الجلسة بمعهد أمناء الشرطة، ومعه تقرير المنيل التخصصي لوحدة الحالات الحرجة، تفيد باستقرار حالته وعدم حاجته إلى الرعاية المركزة، كما ورد من النقيب محمد عبدالرازق طبيب مستشفى ليمان طرة يوم 15 أكتوبر الماضي، أن سلطان ادعى أنه مضرب عن الطعام والشراب، وأن حالته العامة مستقرة، وضغط الدم مستقر والنبض 96، والسكر العشوائي 96، وتم توجيه النصح والإرشاد له بالأكل والشراب، وأمرت المحكمة بإرفاق التقرير بملف الدعوى.
"مواطن أمريكي وله حقوق أمريكية".. الوسيلة التي أخرجت سلطان من عتمة المرض، ففي 22 أكتوبر 2014، تسلم قاضي "غرفة عمليات رابعة"، خطابًا من الخارجية الأمريكية عن طريق الخارجية المصرية، تطالب فيه بالإفراج عن المتهم محمد سلطان بأي كفالة مالية، بعد الانتقادات التي وجهت من واشنطن جراء الحكم على سلطان بالمؤبد، وسمحت محكمة جنايات القاهرة، بدخول القنصل الأمريكي للحضور مع المتهم محمد سلطان، الذي يحمل الجنسية الأمريكية.
وقالت أسرة محمد سلطان، إن وزارة الداخلية تحاول الضغط على ابنها لكسر إضرابه، وعزله عن باقي السجناء لإضعاف معنوياته، ودعت الأسرة في بيان لها في يناير الماضي، كل الجهات الحقوقية والولايات المتحدة، للعمل على إطلاق سراحه فورًا، وهو ما ناله "سلطان" بعد 490 يومًا من الإضراب.
"الجنسية الأمريكية هي الحل، ولا عزاء لجواز السفر المصري".. الكارت الأخير والرابح، الذي استعمله محمد سلطان بعد عام ونصف من الحبس والمحاكمة، حيث تنازل عن الجنسية المصرية، ولم يعد صاحب جنسية مزدوجة، مكتفيًا بالأمريكية، التي على إثرها غادر القاهرة صباح اليوم، بعد الإفراج عنه متجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.