فى حضن أمه العذراء، وعلى ظهر حمار يمسك مقوده النجار يوسف، احتمى المسيح عيسى، عليه السلام، بأرض مصر وشعبها، من الظالمين ببيت لحم، قبل أكثر من ألفى سنة، حينما قرر «هيرودس» الملك قتل المسيح رضيعاً خوفاً من نبوءة بزوال ملكه على يد أحد مواليد اليهود، فلما أعلن المجوس ظهور نجمة فى المشرق تدل على مولد ملك اليهود الجديد قتل جميع أطفال بيت لحم وما حولها من الذكور من ابن سنتين فما دون ذلك.
خرج المسيح وأمه من فلسطين فى جنح الليل ليباركوا أرض مصر من شمالها إلى جنوبها، ليعلن الكتاب المقدس: «مبارك شعبى مصر»، ويؤكدها القرآن الكريم: «وجعلنى مباركاً أينما كنت»، ظلوا ثلاث سنوات ونصف سنة يتنقلون فى رحلة انطلقت من فلسطين مروراً بالعريش، ووصلوا إلى بابليون أو ما يُعرف اليوم بمصر القديمة، ثم تحركوا نحو الصعيد، ليختبئوا هناك فترة، ثم عادوا للشمال مروراً بوادى النطرون، واجتازوا الدلتا مروراً بسخا، ثم واصلوا طريق العودة عبر سيناء إلى فلسطين من حيث أتوا، ويُعرف خط سير هذه الرحلة بـ«رحلة العائلة المقدسة».
رغم صعوبة الرحلة وما واجهته العائلة من متاعب وآلام، حيث قطعت مسافة أكثر من ألفى كيلومتر، إما ركوباً على حمار أو مشياً على الأقدام، أو على ظهر سفينة فى نيل مصر، متحملين حر الصيف وبرد الشتاء والجوع والعطش والمطاردة فى كل مكان، فقد تخللها العديد من المعجزات الباقية إلى اليوم، والآثار التى تركتها العائلة يتبرك بها مسيحيو مصر حتى الآن.
ويمكن لمقتفى أثر رحلة العائلة أن يشاهد فى مدينة سمنود «ماجوراً» كبيراً مصنوعاً من الجرانيت يقال إن السيدة العذراء استخدمته فى صنع العجين أثناء وجودها، كما يوجد أيضاً بئر ماء باركه عيسى عليه السلام بنفسه، وفى المطرية فجّر المسيح ضمن معجزاته نبعاً من المياه التى شرب منها وباركها، ويقال إن السيدة العذراء غسلت ملابس المسيح وصبّت الماء على الأرض فنبت فى تلك البقعة نبات عطرى ذو رائحة جميلة هو المعروف بنبات «البلسم».
وتُعتبر مصر القديمة من أهم المناطق والمحطات التى حلت بها العائلة المقدسة فى رحلتها ويوجد بها العديد من الكنائس والأديرة، وقد تباركت هذه المنطقة بنزول العائلة المقدسة بها، كما تباركت منطقة سمالوط بمحافظة المنيا التى يوجد بها دير السيدة العذراء بجبل الطير، حيث استقرت العائلة بالمغارة الموجودة بالكنيسة الأثرية، وفى أسيوط يقف دير المحرق بوصفه من أهم المحطات التى استقرت بها العائلة حتى سمى المكان «بيت لحم الثانى»، ومكثت فيه نحو 190 يوماً، وفى هذا الدير جاءت البشارة بعودة العائلة إلى أرض فلسطين بعد موت «هيردوس».