بروفايل| غاوك.. "قس وناشط حقوقي" بدرجة رئيس ألمانيا

كتب: دينا عبدالخالق

بروفايل| غاوك.. "قس وناشط حقوقي" بدرجة رئيس ألمانيا

بروفايل| غاوك.. "قس وناشط حقوقي" بدرجة رئيس ألمانيا

اعتقل الأب داخل السجون لـ 25 عامًا بحكم سوفيتي تعسفي على الأرض النازية، بينما لم يكن عمره يتجاوز الـ11 عامًا، والنشأة في منطقة تخضع للإدارة الدولية، والمنع من العمل بمهنة الأحلام كـ"صحفي"، ظروفًا من شأنها أن تخلق شخصًا غير سوي، فمنذ سنوات عمره الأولى واجهته العقبات التي تركت علامات مميزة في حياته، إلا أنها لم تثني من عزيمته، فطالما بحث لبديل وحافز من خلالها، ساعدته على أن تجعله شخصية بارزة مؤثرة في ألمانيا الشرقية، ويصبح فيما بعد رئيسًا لإمبراطورية الصناعات في أوروبا باكتساح. "المواقف الصعبة تخلق رجالًا أشداء".. كانت تلك المقولة هي تلخيصًا بسيطًا لحياة يواخيم غاوك، الرئيس الحالي لألمانيا الاتحادية، الذي لم يحصل على هذا المنصب، إلا بعد حياة شاقة، طوال سنوات عمره الـ75، التي احتشدت بالأحداث التي لم يتنماها أغلبها مطلقًا، إلا أنه لم يستسلم للاكتئاب، فالشيب الذي التهم شعره الأسود سريعًا، وخطوط السن والمعاناة التي خطت في وجهه والذي ارتكزت عليه نظارة طبية لتخفي عيونًا أرهقها العمل والسهر، نتيجة محاولاته المستمرة لإيجاد طرقًا بديلة عن تلك الصعاب، فبعد أن منعه النظام الشيعي من ممارسة مهنة "الصحافة" اتجه لدراسة اللاهوت المسيحي البروتستانتي، في أحد أكبر الكنائس في "روستوك" مسقط رأسه، والتي وجد بها متنفسًا كبيرًا للحرية، إلا أن ذلك خلف داخله كرهًا متزايدًا تجاه الشيوعيين. سريعًا ما لفت "غاوك" الأنظار بخطبه التي حملت نقدًا صارخًا للنظام إبان الحكم الشيوعي، كقسيسًا وناشطًا حقوقيًا وناطقًا باسم المعارضة في روستوك، ما أدى لوضعه تحت قيد الإقامة الجبرية والمراقبة، إثر مطالباته بالكشف والحفاظ عن ملفات جهاز أمن الدولة، وسجن "الستازي"، ما ساهم في تحوله إلى شخصية سياسية معروفة، التف حولها الجميع، وانتخبوه رئيسًا للجنة الخاصة بحل وزارة أمن الدولة في أول برلمان حر لألمانيا في 1990، ثم اختير بنفس الدورة أن يكون مفوضًا خاصًا للحفاظ على الوثائق المتعلقة بالأفراد التي جمعها الستازي في ألمانيا الشرقية، وشغله لعشرة أعوام، فلقب بـ"سيد الملفات". ما بين عضوًا في مجلس فولكسكمر البوندستاغ "مجلس النواب الاتحادي"، ومفوضًا اتحاديًا للمحفوظات بجهاز أمن الدولة، مناصب شغلها غاوك، مثيرًا طوال الوقت عددًا من القضايا التي يجدها جوهرية لصالح ألمانيا، مكتسبًا شهرة واسعة. وعلى الرغم من كونه مستقلًا، إلا أنه حظي بتأييد واسع من قبل أحزاب الائتلاف الحكومي والمعارضة على حد سواء، إذ وصف نفسه ذات مرة بأنه "محافظ ليبرالي ويساري"، كما قالت له المستشار الألمانية أنجيلا ميركل "أنت أستاذ حقيقي في الديمقراطية"، منذ 5 أعوام في عيد ميلاده الـ 70. "أنا أقبل هذه المهمة مع امتنان لا حصر له، من شخص وجد أخيرًا طريقًا لم تكن متوقعة، فهذا أمر مشجع"، بهذه الكلمات البسيطة وصف كاهن ألمانيا الشرقية، شعوره فور فوزه بمنصب الرئيس الـ 11 للجمهورية الألمانية في 18 مارس 2012، بعد أن انتخبه البوندستاغ ليحصد أغلبية أصوات الجمعية الاتحادية، ويخلف الرئيس كريستيان فولف، بعد استقالته نتيجة فضيحة مالية واتهامه بالفساد. وبعد توليه المنصب لم ينس "غاوك" كونه ناشطًا، فأثار العديد من النقاشات في البلاد، من بينها مطالبته في مؤتمر الأمن في ميونيخ عام 2014، بأن تتحمل ألمانيا مزيدا من المسؤولية على المستوى الدولي، كما أعلن تحفظه على انتخاب رئيس وزراء ولاية تورينجن، فضلًا عن اعترافه بمسؤولية برلين الجزئية بـ"الأبادة" الأرمينية، للمرة الأولى في تاريخ ألمانيا، أثناء الذكرى المئوية للمجازر التي ارتكبها الأتراك. وللمرة الأولى، بعد توليه رئاسة ألمانيا، يستقبل "غاوك"، غدًا، الرئيس عبدالفتاح السيسي، في زيارته الأولى أيضًا لبرلين، وسط أجواء احتفالية وترحيبية شديدة، تلبية لدعوات المستشارة الألمانية ميركل المتكررة.