داخل منزل بسيط من 4 طوابق، تعيش مع زوجها، دون أية مشاهد ملفتة، التي توحي إلى جيرانها بعدم تواجدها أحيانًا، تخرج لتمارس عملها الطبيعي كل يوم، وأوقاتًا أخرى لتلعب رياضتها المفضلة "التزلج"، أو لتشجع منتتخب بلادها بقوة كأي مواطن عادي، بالهتاف والصراخ والتلويح بأعلام الدولة، والتي وصل في مبارايات كأس العالم 2014 إلى حمل حقيبة يد على شكل "كرة قدم"، فضلًا عن كونها تتناول الأسماك بشكل غريب يثير سخرية العديدين، إلا أن ذلك لم يثنها عن تأدية واجبها تجاه الجمهورية الألمانية التي تعدّ هي السيدة الأولى بها، والأمرة الناهية فيها، والسيدة الأقوى في العالم أجمع لخمس أعوام متتالية، بحسب "فوربس".
ذكر اسم "أنجيلا ميركل" أمام أي رجل أو امرأة، يثير مشاعر الهيبة والاحترام، لقدراتها القتالية المشهود لها على الساحة السياسية، ولحبها الجارف تجاه بلدها، وهو ما يفرض على من يواجهها التعامل حرص شديد، فتعليقاتها وطلباتها وكلماتها محسوبة مسبقًا، فضلًا عن دعواتها المعدودة للرؤساء، إلا أن الرئيس عبدالفتاح السيسي نال عددًا منها، حيث دعته المستشارة الألمانية لزيارة برلين 5 مرات مسبقًا، موجهة صفعة لرئيس البرلمان الألماني الذي رفض اللقاء، متحججًا بـ"تراجع حالة حقوق الإنسان فى مصر"، إلى أن استجاب لها السيسي في أول زياره له لبرلين غدًا، والتي تأتي وسط ترحيب دولي وشعبي شديدين.
لم تأت نجاحات ميركل وليدة اللحظة في حياتها، فطالما اتسمت بالنجاح والتميز منذ صغرها، فولدت في مدينة هامبورغ بشمال ألمانيا، يوم 17 يوليو 1954، وتفوقت في دراستها للفيزياء واللغة الروسية والرياضيات، ما أهلها للالتحاق بمركز الكيمياء الفيزيائية لأكاديمية العلوم في برلين في 1990، ومن ثم حصلت على الدكتوراة في الكيمياء، فضلًا عن كون أن دراستها مهدت لها طريق معرفتها بزوجها أستاذ الكيمياء يواخيم زاور.
حب ألمانيا ورغبتها في الارتقاء بها كان كامنًا داخل المستشارة الألمانية، حتى أواخر الثمنينات من القرن الماضي، في الفترة التي سبقت انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية، التي زاد فيها حسها السياسى ودفعها لخوض ذلك المجال، لنشر فكرها ودعواتها المطالبة بحرية سياسية أكثر لمواطنى ألمانيا الشرقية، فبادرت بالانضمام لحزب نهضة الديمقراطية فى عام 1989 فى أول انتخابات حرة تجرى فى البلاد، وسرعان ما تقلدت منصب المتحدثة باسم الحكومة المنتخبة، وانتقلت بعد الوحدة الألمانية لحزب الاتحاد الديمقراطى المسيحى، ثم تولت العديد من المناصب بعد تشكيل أول حكومة منتخبة.
كان للمستشار الأسبق هلموت كول دورًا محوريًا في حياة ميركل، حيث اكتشف قدراتها وذكائها سريعًا، فلقها بـ"الفتاة الصغيرة"، وأسند إليها منصبين كبيرين بوزارة الأوضاع النسائية ثم البيئة عام 1994، وهو ما سمح لها أن تترأس حزبًا كاثوليكيًا رغم كونها بروتستانتية، ومن ثم استطاعت محو جميع خصومها المحتملين من طريقها.
وبعد أعوام معدودة، انفتح الطريق على مصراعيه لميركل، حينما تقلدت أهم المناصب في ألمانيا بتنصيبها مستشارة للبلاد، لتصبح هي الحاكمة لأكبر الإمبراطوريات الصناعية الأوروبية، في عام 2005، وتصنع لنفسها شعبية لا مثيل لها داخل البلاد وخارجها، وتقود تحالفًا مع الحزب الديمقراطي الحر وتحوز على تأييد يزيد عن 60% من الشعب الألماني للمرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما سهل بقاءها في منصبها لولاية ثالثة، لتكون أول زعيمة أوروبية يعاد انتخابها بعد الأزمة التي حلت بالاتحاد الأوروبي، ما جعلها دائمًا محل مقارنة بالمرأة الحديدية مارجريت تاتشر.
سعت ميركل طوال فترة حكمها إلى المضي قدمًا ببلادها والحفاظ على استقرارها بين القوى المتصارعة، ورفع مكانتها بين غيرها من الدول الأوروبية، فضلًا عن الحفاظ على الاستقرار في القارة بشكل عام، فى الوقت التي تكاثرت به التوترات بالمنطقة نظرًا للأزمة الأوكرانية الروسية، ولم تتوان عن مناهضة الإرهاب في أحداث "شارلي إيبدو" الفرنسية، فشاركت بالمظاهرات الحاشدة التي دعا إليها الرئيس فرانسو أولاند، وطهرت خلالها لأول مرأة بمشاعرها الصادقة بتلك الأحداث كسيدة بسيطة رغم قوتها المشهود لها، كما شاركت في مظاهرة معادية للسامية العام الماضي أيضًا لتؤكد أن ألمانيا وطن للجميع من مختلف الديانات والطوائف والأجناس، وهو ما جعل صحيفة "تايمز" البريطانية تختارها شخصية العام، في ديسمبر 2014.