ما بين الشعر والرواية يتحرك قلمه، وما بين أسرار البسطاء وأحلامهم تدور عوالمه، تتسلل رائحتهم إلى نصوصه، وقصص عامرة بروح الحياة بعد أن خاض غمارها فى تفاصيل شخصياته الخالدة فى حياة الأدب الباقية، تظل كلماته كصوت نابع من المجهول.
«مهما كان الماضى عريقاً، وسماؤه عالية وتأثيره بالغاً ورجاله أفذاذاً، فإن أردت أم لم أرد لا بد أن أنظر أمامى وأغذ السير صوب المستقبل المجهول» يرحل فؤاد تاركاً «قنديله» ينير عالم الأدب من بعده. كانت الوعكة الصحية التى تعرض لها الأديب والروائى الكبير فؤاد قنديل، وأنهكت ما تبقى من روحه ليرحل عن عالم الأدب بعد رحلة دامت لـ71 عاماً، فبعد أيام قليلة من إعلان الإعلامية دينا قنديل أن والدها تعرض لغيبوبة فى الكبد ونزيف فى المخ، خرجت لتعلن مرة أخرى أن تلك التجربة المرضية هى الأخيرة، فكانت النهاية بتوقف نبضه وروحه عن الصراع للبقاء.
بدأت الكتابة تجذب الأديب المولود عام 1944 كزهرة عباد الشمس فى تتبعها للشمس منذ نعومة أظافره، فكانت تلك الهواية الأبرز التى ظهرت أعراضها عليه منذ سن الثانية عشرة، فقال عنها: «أكتب لأن بداخلى بحراً متلاطماً، حيث تضرب عقلى أمواج الفكر، بينما سماوات روحى ملبدة بالهواجس وقلبى تعصف به رياح هائجة من الانفعالات والمشاعر، أكتب لأنى بالكتابة أقترب من الله، وكلما كتبت اتضحت تدريجياً ملامحه».
قدم «قنديل» على مدى مشواره الأدبى ما يقرب من 18 رواية، و12 مجموعة قصصية بالإضافة إلى عشرات التراجم والدراسات الأدبية، 8 قصص وروايات للطفل، فيما حاز على جائزة نجيب محفوظ فى الرواية العربية، كما حاز على جائزة الدولة للتفوق فى الآداب عام 2004، وجائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 2010.
ظهرت مواقفه الوطنية من خلال أعماله، فعندما استشعر الخطر على مصير الثورة المصرية من تحركات جماعة الإخوان قدم رواية بعنوان «دولة العقرب»، بعد أن رأى المشهد قاتماً فى ذلك الوقت المظلم الذى تزامن مع صعود محمد مرسى لكرسى الرئاسة.
عُرف «قنديل» بين أوساط المثقفين بمجموعة من المواقف الثابتة الواضحة، لعلها كانت الأبرز عندما وجه رسالة للرئيس الأسبق عدلى منصور طالبه فيها بإلغاء وزارة الثقافة، قائلاً: «أرجو أن تعملوا على نسف وزارة الثقافة بالكامل بما فيها من بشر وآلات وخطط، ومخازن كتب ومشروعات، انسفوا هذه الوزارة التى تسللت إليها الشيخوخة ولم تترك أى ركن دون أن تنخره كالسوس، وواصلت مسيرتها المتعفنة، حتى بلغت الأفكار والضحكات والأزمنة»، وبعد رحلة طويلة من القصص فى تلك العوالم المختلفة المعجونة بروحه الساحرة، سيظل فى النهاية هو كما كتب عن ماركيز: «لن تحترق أوراقه بنار الموت، بل سيظل حياً كأفضل ما يكون الأحياء».