تريندات «حفلات التخرج»
يربط بعض الباحثين بين التكوين النفسى للفرد والظروف البيئية، ضاربين المثال بالطباع الحادة لأبناء الصحراء فى مقابل هدوء من نشأوا على ضفاف الأنهار، ويبدو أن هناك رابطاً آخر بين فصول السنة والموضوعات التى تشغل اهتمام جمهور المواقع الاجتماعية، فالمتتبع لهذه المواقع يكتشف أن هناك موضوعات تجذب اهتمام الجمهور بالصيف تختلف عن تلك الموضوعات الرائجة فى فصل الشتاء.. وإذا غنت فيروز (حبيتك بالصيف.. حبيتك بالشتا) فإن لدينا تريندات صيفية تختلف عن مثيلتها فى فصل الشتاء.
نجد من ضمن التريندات الصيفية الدائمة تلك المتعلقة بحفلات التخرج، فإذا طل شهر يوليو ظهرت معه تريندات رقص إحدى الفتيات فى حفلة التخرج.. فهى ذات مرة الفتاة النوبية أو مرة ثانية فتاة أسيوط أو ثالثة فتاة الإسماعيلية.. تختلف مسميات التريند لكن الموضوع ثابت.. يبدأ بانتشار فيديو رقص الفتاة فى حفل التخرج يليه تعليقات الجمهور بين معجب بالفيديو، واصفاً إياه بالمبهج والمعبر بصورة تلقائية عن الحرية والفرحة، أو تعليقات ناقمة على الرقص بوصفه مخالفاً للقيم والأخلاق.. وبعدما يتم «عصر» التريند حتى آخر قطرة من المشاهدات والتفاعل يحل مكانه تريند آخر فيختفى ويضيع فى الزحام!
ولكن قبل أن يضيع التريند بعدما أثار الجدل فى الأيام الماضية يجب أن نفكر فى تحليل أسبابه.. فالظاهرة لا تتعلق برقص الفتيات فى حفلات التخرج.. بين مؤيد من منطلق الحرية أو رافض بحجة الدفاع عن مفهومه الخاص للقيم.. إنما الظاهرة بأكملها ترتبط بالأساس بوجود «بيزنس» لحفلات التخرج فى مصر يغذيه أصحاب المصالح، حتى تحول إلى «عرف اجتماعى» لا يمكن للخريج الاستغناء عنه كأن شهادته لن يعترف بها دونما حفل التخرج!
شخصياً.. أنا لا أرفض رقص الفتيات فى حفلات التخرج بل أراه تعبيراً جميلاً عن الفرحة والسعادة.. ولكن قبل أن تظننى أحرضها قائلاً (ما تيجى نرقص) فإننى أحرض القارئ الكريم على تتبع أساس الظاهرة وهى حفلات التخرج التى لم تعد مقتصرة على الحفلات الرسمية بالجامعات، والتى من الضرورى أن نطالب وننادى ونؤكد على أن تتسم دائماً بضوابط تليق بالقيم الجامعية، فتقتصر على توزيع الشهادات أو إلقاء الكلمات الرسمية أو أداء القسم والتقاط الصور التذكارية.
لكن ما يثير الجدل عادة هى الحفلات الاجتماعية التى ينظمها الطلاب بالاتفاق مع شركات استمعت إلى عبدالحليم حافظ وهو يغنى (الناجح يرفع إيده.. ويغنى فى عيدنا وعيده) لكنها قامت بالغناء بدلاً منه (الناجح يرفع إيده.. ملوحاً بالكاش أو أرقام الفيزا) وذلك لدفع تكاليف الحفل التى تختلف حسب إمكانية الطلاب وقدرتهم على إضافة عبء مادى جديد على أسرهم.
تقوم الشركات بتأجير قاعة الحفل وأرواب التخرج وطبع شهادات التقدير، وقد تستعين بمطربين، فهو «بيزنس» قائم على حب المجتمع للاستعراض، فلم يعد الاحتفال بالتخرج مع الأسرة أو الزملاء أو التفكير فى الخطوات المستقبلية القادمة كافياً بل هناك رغبة فى وضع الحدث فى قالب احتفالى صارخ.
«بيزنس» حفلات التخرج انتقل من طلاب الجامعات ليصبح موضة فى جميع المراحل الدراسية، بداية من الحضانة، وتشجع عليها بعض المدارس الخاصة والدولية التى يفترض فى أولياء الأمور قدرتهم على تحمل المصاريف الإضافية!
أما عن حفلات التخرج الجامعية فهى ظاهرة تمس جميع الطلاب باختلاف طبقاتهم الاجتماعية وظروفهم المادية.. تجدها فى أصغر معهد حكومى مثلما تراها فى جامعة خاصة مصاريفها باهظة.. لتضيف بذلك عبئاً إضافياً على أولياء الأمور بعد صناعة «حاجة وهمية» جعلت هذه الحفلات ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.يتحمل أولياء الأمور مصاريف باهظة فى هذه الحفلات.
وحتى إذا امتلك بعض أولياء الأمور القدرة على سدادها والرغبة فى الاحتفال مع أبنائهم فقد يجد غيرهم أنفسهم مضطرين لتحمل هذه التكاليف الإضافية حتى لا يشعروا بالتقصير فى حق أبنائهم.. لكنها ظاهرة فارغة من مضمونها وتمثل أعباء اقتصادية إضافية على الأسر لإذكاء حب المجتمع للاستعراض، بينما المستفيد الحقيقى هى الشركات المنظمة للحفلات أو المطابع التى تجهز اللوحات الدعائية وشهادات التقدير.
أتمنى أن يبادر الطلاب ممن يرون فى أنفسهم وأسرهم القدرة المالية على تحمل تكاليف هذه الحفلات الاجتماعية بإلغائها تماماً مقابل التبرع بقيمتها لمستشفى أو عمل خيرى باسم الدفعة.. سيكون هذا الفعل الخيرى أكثر قيمة وفائدة للمجتمع بأكمله من حفلات اجتماعية صاخبة قد تطولها أحياناً الانتقادات، وعندها فإن تسليط الضوء على هذه المبادرات إعلامياً والاحتفاء بها يجب أن يكون بصورة أكبر من تريندات الفتيات والرقص وخناقة المؤيد والمعارض لها.