لقاء طويل وممتع غمرنى بالسعادة.. وبالأسى فى وقت واحد. كان اللقاء مع العالم والمفكر الإسلامى الدكتور «أكمل إحسان أوغلو». السعادة لاكتشاف مدى ثقافة وعلم ومعرفة هذه الشخصية، وبالأسى لأن خسارته فى انتخابات الرئاسة التركية أمام «أردوغان» كانت خسارة كبيرة لتركيا، شعباً ونظاماً، وكذلك للشرق الأوسط والمنطقة والعالم العربى والإسلامى. شخصية فريدة تجمع بين الوسطية فى التدين، والتوازن فى السياسة، واتزان الشخصية مع عمق فى الثقافة. جمع بين الواقعية مع بُعد النظر. ورغم ما وُجه إلى البروفيسور من اتهام وصفات أثناء الحملة الانتخابية، فإنه صاحب خلق كريم لم تصدر منه أبداً، أى اتهامات لمنافسه ولم يستعمل ألفاظاً غير لائقة. فقد الشعب التركى عندئذ فرصة إنقاذ وطنه. وتعتبر الانتخابات البرلمانية فرصة لعلها الأخيرة. انتخابات استعدت لها الأحزاب بتطوير برامجها وإعادة انتخاب قياداتها لضمان النجاح واستعدت لها الحكومة أيضاً بالوعود البراقة -التى لا يصدقها أحد- وبتصفية المعارضين. تأتى فى ظل مناخ جديد ضد «أردوغان» أسهم فى تفاقمه سلوك أردوغانى غير وطنى غير إسلامى، وغطرسة فصلته عن الشعب. نشرت الصفحات والتقارير التى تكشف حقيقته وتلقى صفعات متتالية لم يكن السلطان يتوقعها.
جاءت الصفعة الأولى من مجلسه النيابى، الذى تصوّر أنه رهن إشارته. لكنه رفض الموافقة على أولى أمانيه بتوسيع اختصاصاته كرئيس، والانتقال إلى نظام رئاسى.. رغم ذلك، فإنه قرر تجاهل موقف البرلمان وترأس مجلس الوزراء، مما أثار عليه غضب المعارضة والصحافة. كانت الصفعة الثانية دولية، جاءت بعد شهر واحد من توليه المنصب، حيث فشل فى الحصول على أصوات الجمعية العامة بالأمم المتحدة لشغل مقعد غير دائم بمجلس الأمن. كما فشلت محاولاته فى الاستفادة من الاتفاق بين أمريكا وأوروبا بإنشاء سوق مشتركة، على أساس أنه جزء من أوروبا.
أضرت أخطاؤه الكثيرة ومواقفه الدولية بالاستثمارات وأصبحت النهضة الاقتصادية التى كانت أهم إنجازاته، وأبهرت أنصاره، تتآكل يوماً بعد آخر. هبطت الليرة إلى أدنى مستوى خلال سنة، فزادت البطالة وارتفعت الأسعار. سقطت الوعود البرّاقة وتزامن معها التضييق على أنشطة مالية وتجارية، بحجة أنها تمول ما تصفه الحكومة بالتنظيم الموازى، إضافة إلى ذلك تصاعد حجم المديونية الخارجية بصورة مذهلة، ونظراً لعدم مواكبة دخل المواطنين لمتطلبات الحياة اليومية، أصبحوا يلجأون إلى قروض الائتمان التى تعتصرهم فوائدها، وكثير منهم يعجزون عن سداد ما ترتب عليهم من ديون.
سحبت دول الخليج استثمارات بالبلايين، وصرح بعض القيادات الاقتصادية بأنهم يتوقعون انهياراً اقتصادياً عقب الانتخابات. أعلن مساعد رئيس حزب الشعب الجمهورى «فائق أوزتراك» أن اقتصاد تركيا خسر 20 مليار دولار على الأقل جراء تصريحات رئيس البلاد رجب طيب أردوغان وانتقاداته لردود فعل الاتحاد الأوروبى، مدللاً على ذلك بالتراجع الحاد لليرة التركية أمام العملات الأجنبية. انتهى شهر العسل بينه وبين مجتمع المال والأعمال الذى كان سنده الأقوى.
أما المحرومون والمقهورون فقد وقفوا فى حسرة يشاهدون مشروعه لبناء قصر فخم له تزينه زهور إسرائيلية به ألف غرفة، تكفى تكاليفه بناء عدد من المدارس والمستشفيات التى يطالب بها الشعب.. بالإضافة إلى قصور لأبنائه. بلغت تكلفة تأمين القصر 20 مليون دولار وتكلفة الكهرباء والتدفئة 875 ألف دولار، وتشير تقارير أنه أنفق أثناء حكمه 3 مليارات دولار.
أغضب الأكراد فى كل مكان، إذ حنث بوعده بتوفير حقوقهم. لم يفعل شيئاً لهم، بل على العكس ظلت أماكن وجودهم أفقر المناطق، وظهرت نواياه الحقيقية فى «بيت العرب». ترك «داعش» يجول ويصول ويقتل وينهب ويغتصب. سقط الأكراد شهداءً ولم يتدخل لحمايتهم إلا بعد ضغوط دولية وبتباطؤ شديد. عالج جرحى «داعش» فى مستشفيات تركيا، بينما حرم مواطنيه من ذلك العلاج، مما أثار عليه غضب الشعب التركى والمجتمع الدولى.
أغضب الفنانين عندما لفّق التهم إلى أغلب الذين أسهموا فى مظاهرات «تقسيم». رفعت الدعاوى القضائية على 42 فناناً من أشهر الممثلين الذين كانوا سفراء لتركيا من خلال الفن، وكانت التهمة شرب سجائر بها حشيش!! وانسحب عدد كبير من أهل الفن من مهرجان إسطنبول بسبب الرقابة المشدّدة ونشرت الصحف «(أردوغان) يطفئ شعلة للفن السابع»، مهرجان إسطنبول السينمائى فى ظلال الاستبداد.
ندّد «أردوغان» بالمساواة، فزاد العنف ضد النساء.. أثبت أنه عدو المرأة، فنزلت الشارع فى مظاهرات تندد بتصريحاته ومواقفه ضد النساء عندما أعلن -دون حياء- أنه ليس لها دور عام، وأقصى ما يجب أن تتمنى هو أن تكون ربة منزل تخدم أسرتها! كما أقحم نفسه فى خصوصيات الأسرة، وأعلن أن كل أسرة يجب -أو يُستحسن- أن يكون لها أربعة أولاد!! ولم يكن ذلك اهتماماً بالأطفال، فقد أظهرت التقارير أن عدد الأطفال الأتراك الذين تعرّضوا لاعتداءات جنسية بلغ 400 ألف حالة خلال الأعوام الماضية.
ثم انكشف العنف الممنهج والمدعوم بشكل غير مباشر من «العدالة والتنمية» ضد المرأة، على خلفية مقتل طالبة جامعية وحرقها بعد أن اغتُصبت. لم تتعاطف الأجهزة معها، بل أعلنت أن ارتداء الملابس الغربية، والتنورات القصيرة، هو الذى يستفز الشباب ويجعلهم يرتكب هذه الاعتداءات.
أغضب العمال وخسر دعم أغلبيتهم بسبب تصريحاته عن حوادث مقتل عمال المناجم التى تكررت، وبدلاً من التعاطف مع العمال وأسرهم، أعلن باستخفاف أنها حوادث عادية تقع فى كل مكان.
وجاء عيد العمال بمفارقة تفضح أكاذيبه ضد مصر وإعلانه أن المصريين يرفضون حكم «السيسى»، كانت مظاهرات العمال تعم مدن تركيا تهتف بسقوط الحكم وتشكو القهر فى الوقت الذى كان فيه عمال مصر مجتمعين مع «السيسى» فى حوار وطنى عقلانى مهذب.[FirstQuote]
حتى جمهور الكرة التركى ثار ضده، وردّد خلال مباراة فى كادى كوى هتافات مستفزة ضد «أردوغان» (تصفه بالسرقة وتلعن قصره الأبيض الجديد).. فوجهت لهم اتهامات بالخيانة، ويواجه 35 من فريق بنكتاش عقوبة السجن مدى الحياة.
أثار أنصار البيئة بسبب مذبحة أشجار جديدة لبناء قصره وقطع 6 آلاف شجيرة زيتون حتى تتمكن شركات أنصاره من إقامة مشروعات عليها.
خسر كل أنصار «أتاتورك»، بخطته بناء دولة ثيوقراطية وإعادة الخلافة. تخلص من «شنكاياى كشك» رمز الجمهورية العلمانية، الذى أنهى إلى الأبد حقبة الثيوقراطية العثمانية واستبدلها بكيان زجاجى ضخم اقتلع من أجله 3500 شجرة، ودمر جانباً من أكثر غابات العاصمة خصوبة وخضرة، والمساماة أيضاً باسم «أتاتورك».
شهد حى كادى كوى بإسطنبول تجمعات حاشدة للعلويين الأتراك الذين ندّدوا بالسياسات التمييزية ضدهم ورفعوا لافتات تطالب بالحفاظ على علمانية البلاد، وإلغاء تعليم درس الدين الإجبارى بالمدارس، وأكد رئيس اتحاد البكتاشيين العلويين «فوزى كومش» أن الحكومة تخطط لتحويل جميع المدارس إلى مدارس الأئمة والخطباء.
أما أسوأ شطحاته فكانت التطاول على القضاء وفصل كل معارضيه من القضاة بتهمة الانقلاب، وإهانة المحكمة الدستورية العليا التى أطلق عليها نتاج انقلاب عسكرى، وجاءت الذكرى السنوية الأولى لكشف فضائح الفساد التى شملت وزراءه وأبناءه لتثور عليه قطاعات من الشعب وتنظم مظاهرات صاخبة أمام المحاكم توجه إليه اتهامات مهينة وألفاظ غير لائقة يطلقها شعبه عليه، ونحن لا نذكرها، التزاماً بأخلاقيات مصر، بالإضافة إلى كبت الحريات واعتقال الصحفيين.
خسر قطاعات كبيرة من الشعب، وكان طبيعياً أن تخسر الدولة الهيبة والاحترام، عبر عن ذلك «بولنت أرينتش» القيادى البارز بالحزب، ونائب رئيس الحكومة، حينما قال نصاً «كنا ننزل الشوارع والميادين، وكان جمهورنا يحيينا كثيراً، كما كانت الفئات المعارضة تحترمنا على الأقل، لكننى اليوم أشعر بأن هناك نظرة كراهية لحزبنا».
وعندما أعلن قراره بحظر «تويتر» و«فيس بوك».. إلخ، هزمه الشعب ونجح الملايين فى اختراق الحظر وسجلوا 205 ملايين تغريدة فى أولى ساعات الحظر، وشملت وسائل الاحتجاج إلقاء البيض الفاسد على صور «أردوغان».
تقدّم «عصمت مهرجى» رئيس فرع حزب العدالة والتنمية و20 شخصاً كان يعتمد عليهم فى حملته الانتخابية، باستقالة جماعية. كما استقال 3 من وزرائه قُبيل الانتخابات البرلمانية، واتهمه رجال الدين بأنه يتاجر بأداء العمرة لتحسين صورته.
انهالت عليه الاتهامات من سائر فئات الشعب، واعتقلت السلطات التركية «مروة بويك» ملكة جمال تركيا لعام 2006، بتهمة إهانة الرئيس.
■ ■
كان طبيعياً أن يواكب ذلك عدد كبير من التقارير والمقالات التى تكشف حقيقة «أردوغان» وحكومته، لا يتسع المجال إلا لسرد القليل منها. كان أكثرها قسوة كشف دعمه للإرهاب الذى يهدّد المنطقة، بما فيها تركيا وشعبها، إلى جانب انتهاك الحريات.
أكدت صحيفة «أيدنليك» التركية اليومية أن مدينة إسطنبول أصبحت ملجأً لأعضاء جماعة الإخوان الهاربين من بلدانهم بعد انهيار السياسة الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، وهناك تقارير مثيرة لصحف تؤكد أن «إسطنبول أصبحت ملجأً للإخوان، وأن هناك معسكرات تدريب لحماس فى إسطنبول، وأن ٣٠٠٠ مقاتل من أعضاء تنظيم داعش الموجودين فى سوريا والعراق تسللوا إلى المدن الحدودية مع سوريا وانتقلوا إلى المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وأضنة لتنفيذ عمليات إرهابية ضد البعثات الدبلوماسية الأجنبية والمراكز التجارية الكبيرة». وكان وزير الخارجية التركى مولود جاويش أوغلو، قد أعلن انضمام نحو ٧٠٠ تركى فى سوريا إلى صفوف إرهابيى «داعش»، وهو ما يزيد من احتمالات وقوع هجوم بتركيا، فى حال عودتهم إلى البلاد. وأعلن زعيم معارض: أنه «لا يجوز لجيشنا أن يكون جيش العدالة والتنمية».
ووصفت نقابة الصحفيين الأتراك عام 2014 بأنه عام أسود على الصحافة التركية بعدما شهدت قرارات الحظر وعمليات المراقبة والتعقب والاعتقال والفصل من العمل ومداهمة المؤسسات الصحفية، مما أدى إلى فقد 500 صحفى عملهم، وهو رقم قياسى فى تاريخ الجمهورية التركية.
وأعلن أحد قياديى الحزب الحاكم أن «أردوغان» سيظل رئيساً مدى الحياة، بالإضافة إلى أنه يقوم بتطهير الشرطة والقضاء من كل من شارك فى الكشف عن فساده، ليقوم بتسكين أتباعه فى هذه المناصب وإصدار قانون جديد للأمن يعطيهم الحق بتوقيف المواطن والسيارات دون أمر قضائى. وكشف وزير العدالة «بكر بوزداغ» عن أن الجرائم المالية مثل التزوير والنصب والاحتيال والتهريب سجلت تزايداً بنسبة 68% خلال السنوات الثلاث الماضية. كما كشفت التقارير مدى التلاعب بالانتخابات ليحذّر من تكرارها، فأعلن المجلس الأعلى للانتخابات فى تركيا فرض عقوبات على مؤسسة الإذاعة والتليفزيون الرسمية التركية «تى آر تى»، لانحيازها إلى رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان أثناء تغطيتها الانتخابات الرئاسية، وذكرت صحيفة «راديكال» التركية أن قوات الأمن فى أزمير تلقت بلاغات مؤخراً أكدت وجود بطاقات انتخابية مزوّرة، وتمكنت بالفعل من التحفّظ على الآلاف منها خلال مداهمتها عدداً من الأماكن بالمدينة واحتجزت شاحنة محملة بأكياس داخلها بطاقات انتخابية مزوّرة. ومنذ أيام كشفت صحيفة «جمهوريت» التركية أن حكومة حزب العدالة والتنمية تبحث عن وسيلة للتعتيم على ملف التحقيق فى شحنة أسلحة يُعتقد أنها أرسلتها إلى عناصر تنظيم القاعدة فى سوريا، بمساعدة جهاز المخابرات التركى. لم تقف الأحزاب المعارضة صامتة ولها سجل طويل فى كشف أخطاء «أردوغان» وحكومته وتقدم حزب الشعب الجمهورى المعارض فى تركيا لرئاسة البرلمان بمذكرة لحجب الثقة عن وزير الخارجية أحمد داود أوغلو بسبب انتهاجه سياسة خارجية خاطئة دفعت البلاد إلى أضرار سياسية واقتصادية، وهبطت بمكانة تركيا فى العالم إلى الحضيض. وأكدت المذكرة أن «داود أوغلو»، بدلاً من اتباع سياسة تصالحية ودور إيجابى.. فإنه يزيد من عزلة تركيا.[SecondQuote]
■ ■
يؤكد أنصاره أن الساحة الداخلية لا تهمه كثيراً، لأنها فى قبضة يده، وأن قوته تأتى من مساندة الخارج له.. لكنه فى الحقيقة يخسر الساحة الدولية كل يوم. والأمثلة كثيرة.. أثار غضب أوروبا بتعليقاته الساخرة واتهاماته للاتحاد الأوروبى، كما أثار استياء المسيحيين بإقامة الصلوات الإسلامية فى الكنائس الأثرية التى تحوّلت إلى متاحف. ثم هبطت عليه ذكرى مأساة الأرمن لتفصله عن الواقع بإنكارها وتوجيه التهم والإهانة إلى من يعترفون بها. أما أعوانه فى محور الشر الذين كانوا يساندونه، فقد أصبحوا منشغلين بمشكلاتهم الداخلية، الولايات المتحدة تواجه أزمة انتخابية وأخرى اقتصادية وصراعات عنصرية، والعلاقات مذبذبة، فأدان «ستيف وارين» المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، الهجوم الذى تعرّض له أربعة من البحارة التابعين للقوات البحرية الأمريكية فى إسطنبول. وأعربت «جينيفر بساكى» المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، عن انزعاج واشنطن إزاء الهجوم الذى تعرّض له عدد من العسكريين الأمريكيين فى إسطنبول، وأعلن المتحدث باسم المخابرات الأمريكية «سى آى إيه» أن التصدى لـ«داعش» لا يعتبر أولوية لـ«أردوغان». أما قطر فقد انكشف دورها فى مساندة الإرهاب ودعم الإرهابيين، وأذاعت محطة «فوكس» التليفزيونية تفاصيل ذلك الواقع، واعترضت جرائد أمريكية على استقبال «أوباما» دولة تساند «داعش» (وكانت «إثيوبيا» أكثر الدول فطنة، سبقت العالم فى اكتشاف حقيقة نوايا قطر، وقررت قطع العلاقات معها 2008، لدورها فى إثارة القلائل).
وعندما انتقد الاتحاد الأوروبى قرار أنقرة حظر النشر فى تحقيقات قضايا الفساد وحظر الاتصالات وحبس الصحفيين.. رد «أردوغان» بأنه «غير راغب فى تلقى محاضرات من أجانب. هؤلاء الذين يأتون من الخارج يحبون البترول والذهب والماس والعمالة الرخيصة والعنف والقتال». وفى روسيا، يلمح «بوتين» إلى دعم تركى للإرهاب، و«أردوغان» يرد بالدعوة إلى الإطاحة بـ«الأسد». كما هاجم «أردوغان» الصين عام 2007، بسبب أحداث منطقة «سينكيبانج» التى يعيش بها أقلية من «اليوجور» ذات الأصول التركية.
أعلن نائب رئيس الوزراء التركى «بولنت أرينتش» أن بلاده خلال الفترة الأخيرة كانت وراء توتر العلاقات مع سوريا والإمارات ومصر والأردن والكويت والعراق. ولا يوجد سفراء لتركيا لدى أربع عواصم مهمة بالشرق الأوسط.
أثبت «أردوغان» أن لديه قدرة فائقة على إغضاب قطاعات كبيرة من شعبه، وكذلك على التخبط والذبذبة فى علاقاته الدولية. صدرت التصريحات من قطاعات كبيرة فى المجتمع التركى تدين موقف «أردوغان» من مصر، ونشرت الصحافة بوضوح، أن المعارضة التركية تستنكر دعم «العدالة والتنمية» لـ«مرسى».
ويقول أحد المقربين إليه إنه يعيش فى قلق وتخوّف من المحاكمة أو الاغتيال، خصوصاً بعدما انفجرت قنبلة فى طريق موكبه، لذلك يبالغ فى قمع خصومه، مما يعكس تفكيراً غير سوى.[ThirdQuote]
أعلن «كمال كليجدار أوغلو»، زعيم حزب الشعب الجمهورى التركى، أن إثارة الجدل حول عقوبة الإعدام من قبَل الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وحكومة «العدالة والتنمية» بعد صدور قرار الحكم بحق الرئيس المعزول محمد مرسى ما هو إلا عمل صبيانى!
وتستعد أحزاب المعارضة للانتخابات، وتحاول منع التزوير والتجاوزات، وأهمها حزب الشعب الجمهورى الذى أسسه «أتاتورك»، ولنا معهم علاقات، وكذلك مع عدد من المثقفين والمفكرين والأدباء والقيادات النسائية والفنية، وكلهم يرفضون سياسات رئيسهم، وعلى الأخص مواقفه من مصر، ويعترفون بذلك علانية، وهناك الحزب القومى الذى أسسه «ينونو»، وهناك حزب الوطن الذى ليس فى حجم هذين الحزبين، لكنه استقطب عدداً لا بأس به من المفكرين والدبلوماسيين، تقوم برامجه على تعاون تركيا مع دول المنطقة، وأولاها مصر، ويُحسب له أنه استوعب حقيقة ثورة 30 يونيو، أيدها ولم يعتبرها انقلاباً عسكرياً، كما أنه يرفض الهجوم على مصر والتطاول على قياداتها، حسناً فعل المجلس المصرى للشئون الخارجية بعقد لقاء مع بعض قياداته وعدد من المصريين، يمكن إضافته إلى قائمة أصدقاء مصر فى تركيا، وهم كثيرون ويزدادون عدداً.
■ ■
هذه الحقائق، وذلك الواقع الجديد ونتائج استطلاعات الرأى العام التى تؤكد تراجع شعبية «أردوغان» كلها قد تدعو إلى التفاؤل والتطلع إلى أن تركيا والمنطقة على وشك التخلص من السلطان، لكن التفاؤل لا بد أن يكون بحذر، بل بحذر شديد.
احتمالات عودته واردة لأسباب، نذكر منها أربعة:
- يؤكد خصومه أنه رتّب أوضاعه الداخلية بالتخلص من كل المشكوك فى ولائهم له شخصياً، ووزع أنصاره فى المؤسسات التى لها تأثير على نتيجة الانتخابات أو على الرأى العام، منها حملة الشرطة لاعتقال 80 رجل أعمال وفصل 1200 شخص من القوات المسلحة.
- لحزبه خبرة وقدرة فائقة على حشد الأصوات بالشراء والترهيب واستخدام المال والهدايا والمزايا واستخدام سلاح الدين والعقيدة واستغلال الفقر والحاجة والخوف والجهل. وكل وسائل الإخوان التى نعرفها جميعاً (ويعتزمون دفع أكثر من 200 دولار مقابل الصوت الواحد).
- وهناك موقف أحزاب المعارضة، التى ترتكب الخطأ الشائع فى منطقتنا، بينها تنافس شديد يصب فى مصلحة «أردوغان»، تتنافس ضد بعضها البعض، مما قد يؤدى إلى تفتت أصواتها وفوز مرشحى الحزب الحاكم، ليعود الخليفة إلى عرشه.
- وهناك رابعاً موقف شرطى العالم فى واشنطن الذى يدرك ما يرتكبه «أردوغان» من انتهاكات للديمقراطية وحقوق الإنسان وقهر الأقليات والتعصّب العرقى والدينى، لكنه قد نجح فى الاحتفاظ به ليزيد تركيا ضعفاً وإسرائيل دعماً والمنطقة تخلفاً وتفككاً. موقفهم منه غير واضح ولعلهم يبحثون عن بديل له والتخلص منه بعد أن انكشفت حقيقته وتكاثرت أخطاؤه وثبت دوره فى دعم إرهاب «داعش» وانتهاك الحقوق والحريات.
■ ■
تركيا التى كانت دولة واعدة صاعدة، وصديقة الحلفاء فى المنطقة، تراجعت للوراء وتدحرجت هبوطاً. خسرت الأصدقاء والأنصار.. ومصيرها اليوم فى انتخابات تحيط بها المشاكل والمؤامرات. وقد تأتى الرياح بما لا يحقق العدل والسلام لها وللمنطقة، وعندئذ نحن لن يسعنا إلا أن نأمل وندعو أن يقتدى شعب تركيا الشقيق بشعب مصر العريق، ويكون له فى شهر يونيو فرصة اليقظة وعيداً للتحرير. وقيادة حكيمة تطهر البلاد وتعيد إلى الشعب المكانة والكرامة والاستقلال.