«السيسى نجح فى تثبيت أركان الدولة المصرية» عبارة قيّم بها الدكتور معتز عبدالفتاح، أستاذ العلوم السياسية فى جامعة القاهرة، العام الأول لرئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسى فى منصبه، ما أهله لأن يضع نفسه فى موضع الزعامة.
وقال عبدالفتاح، فى حوار لـ«الوطن»، إن الرئيس استطاع أن يرسم لنفسه صورة خاصة عند المواطن المصرى، بعدما نجح فى التعامل مع ملفات حساسة على رأسها «ملف سيناء»، و«خلق دولة منزوعة الإرهاب»، وأعرب أستاذ العلوم السياسية عند تمنياته أن «يستكمل الرئيس تطوير الخطاب السياسى والدينى والفنى الثقافى والإعلامى والتعليمى».. وإليكم الحوار:
■ هل نجح السيسى خلال العام الأول من توليه الرئاسة فى تصدير نفسه كـ«زعيم»؟
- الرئيس عبدالفتاح السيسى تولى المسئولية فى ظرف صعب، وفى ضوء التحديات التى واجهها خلال العام الأول لحكمه، أرى أنه نجح، فى تثبيت أركان الدولة المصرية، كما يصف باستمرار، وفى تحقيق نظريته القائمة على تركيز الدولة على إقامة المشروعات القومية الكبرى، وهذه المشروعات لا أرى أن الهدف منها العائد المادى المباشر وحسب، وإنما رفع الروح المعنوية للمصريين، وإبلاغهم برسالة صريحة بأنهم «يستطيعون»، وأنه بالرغم من كل هذه التحديات التى تواجه مصر فإننا قادرون على التعامل معها بشكل جيد.[FirstQuote]
■ تقول إن الرئيس نجح فى تثبيت أركان الدولة المصرية، هل هناك شواهد على ذلك؟
- هناك شواهد كثيرة، وسأكتفى بـ3 شواهد، الأول: ما يحدث فى سيناء، فعلى الرغم مما يمثله الوضع هناك من تحديات بالغة، لدرجة يمكن معها أن نصف الوضع فى سيناء أنها كانت على وشك أن تصبح شبه دولة ذات حكم سيادى، بمعنى أنها لن تخرج عن مصر كدولة مستقلة، ولكن المقصود أن سيطرة الدولة عليها كانت ستنعدم، والتحدى الأول الذى قبله السيسى هو أنه تولى ملف سيناء، وملف وجود الدولة فى سيناء من الملفات «الموروثة» التى تحاشى «مبارك» أن يفتحها، لأنه كان يرى أنه لن يتحمل تبعات فتح الملف، لكن السيسى تولى الملف بشكل واضح خلال السنة الأولى فى حكمه.
كما نجح السيسى فى العام الأول فى «مقاومة الإرهاب»، الأمر الذى تحقق بسبب صلابة الجيش والشرطة، فى إطار هدف أسمى سعى له السيسى وهو جعل الدولة المصرية «منزوعة الإرهاب»، أما الأمر الثالث، فى رأيى فهو الشعور العام عند المواطنين بـ«وجود دولة وحكومة»، خاصة بعد السنين الـ4 الأخيرة، وهى سنوات من الانفلات الأمنى، لم يكن يضمن فيها المواطن التحرك بشكل آمن، وتسبب ذلك فى خوف أولياء الأمور من إرسال أولادهم للمدارس، وتسبب فى انتشار ظاهرة التثبيت، لكن كل هذا تراجع بشكل كبير، طبعاً ظاهرة «التثبيت» لا تزال موجودة ولكن بمعدلات منخفضة.
■ كيف يمكن أن يحافظ الرئيس على صورته عند المواطن؟
- أنا أتمنى أن يطور الرئيس السيسى من أدائه، مثلما تفعل شركات البرمجة التى تطور برامجها وتصدر نسخة (2.0) بعد فترة من إطلاق نسخة (1.0)، وأقصد بهذا التشبيه، أن الرئيس عليه أن يخلق لنفسه رؤية مختلفة، وأن يستفيد من الشعبية التى حققها بين المواطنين حتى الآن، وأن ينطلق من النجاحات التى أنجزها فى أول سنة، ولو أراد الرئيس أن يحافظ على صورته عند المواطن، فلا بد أن يستثمر فى الإنسان المصرى، أو بعبارة أخرى «يستثمر فى البشر أفضل من أن يستثمر فى الحجر»، وهذا هو أبرز ملامح تجارب الدول النامية التى حققت طفرة فى مجال التطوير والتنمية، مثل ماليزيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية، أنهم اهتموا بالإنسان.[SecondQuote]
وأتمنى أن يسعى الرئيس لاستكمال «خماسية التطوير»، بأن يطور الخطاب السياسى، والخطاب الإعلامى، والخطاب التعليمى، والخطاب الدينى، والخطاب الثقافى، والفنى، وهذه الخطابات تحتاج بشكل كبير إلى «جهة عليا» تنسق فيما بينها، وتطورها بشكل يستفيد من ورائه المواطن المصرى أكبر استفادة ممكنة، خاصة أن الإنسان المصرى لو ظل مهملاً، فسيكون عبئاً على الدولة بدلاً من أن يكون سنداً لها.
■ ما أوجه القصور المتشابهة فى هذه الخطابات؟
- هذه الخطابات الخمسة خطابات تجارية فى مصر، بحيث يحاول القائمون عليها تحقيق أكبر مصالح تجارية ممكنة، والمطلوب أن تتحول هذه الخطابات إلى خطابات وطنية، لا تغلب عليها نزعة الاستفادة التجارية، مثلما هو الحال فى الإعلام أو فى الخطاب التعليمى بانتشار الدروس الخصوصية مثلاً، أو فى الخطاب الفنى، لكى لا يحدث ما نسميه بـ«انفصال هرم السلطة وقاع المجتمع»، أو حتى لا تكون الرئاسة فى وادٍ والمواطن فى وادٍ.
■ ما التحديات التى قد تواجه «السيسى» فى سبيل الحفاظ على شعبيته الحالية، أو تحقيق شعبية أكبر؟
- الأهم من مساعى الحفاظ على شعبية الرئيس أو توسيعها، أن يحقق الرئيس مزيداً من الإنجازات على أرض الواقع، فى ظل وجود «دولة مهترئة»، وهى نتيجة ثقافة موجودة منذ سنوات لكن آثارها تصاعدت وظهرت بوضوح فى السنين الأخيرة، ومن أهم هذه الآثار «الإهمال والتطنيش وعدم الانضباط»، وكلها أمور تشكل تحدياً كبيراً أمام أى رئيس، ولهذا ينبغى عليه أن يتعامل بشكل حاسم مع هذه الظواهر، لأن المواطن يشكو من الفساد والإهمال والتلكؤ والإحساس بعدم المحاسبة وعدم المساءلة، ولا شك أن هذا أحد أكبر التحديات على مستوى الجهاز الإدارى فى الدولة.[ThirdQuote]
ومن بين التحديات التى على الرئيس أن يحقق بخصوصها إنجازات على أرض الواقع، الكيفية التى تتعامل بها الأجهزة الأمنية مع بعض قطاعات الشباب الناشط سياسياً، لأن أسلوب التعامل الحالى يشيع بين أوساط الشباب أن الحالة التى تعيشها مصر فى الوقت الحالى، تمثل شكلاً من أشكال الرجوع لأيام مبارك، وهذا أمر يزداد صعوبة مع وجود «فائض طاقة سياسية» عند الكثير من الشباب، الذى شارك فى ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو.
والتحدى الثالث أمام الرئيس «جماعة الإخوان» ومن يمولونهم، لأن الإخوان يتبنون «استراتيجية ثلاثية» تقوم على إنهاك المجتمع، وإفشال الدولة، وإسقاط النظام. وأعضاؤها يعلمون أنهم لن ينتصروا فى النهاية، خاصة مع ابتعادهم بشكل كبير جداً عن مركز التنافس السياسى فى الوقت الراهن، لكنهم يستكملون استراتيجيتهم.