ثمة حالة من الغضب تسيطر على قطاعات عديدة من الشباب حالياً، وجوهر غضب الشباب يرتبط بإحساس لديهم بأن هناك من يريد إعادة مصر إلى معادلات «الحقبة المباركية»، وهو أمر يهدد مستقبل هذا البلد، لأن من ثار على هذه المعادلات مرة قادر على الثورة عليها من جديد.. وما يناير منا ببعيد!
مثلت المشروعات القومية الكبرى الملمح الرئيسى فى تجربة الرئيس عبدالفتاح السيسى على مدار عام من الحكم. فمنذ اللحظة الأولى، وحتى قبلها، أطلق الرئيس عدة مشروعات، تلقفتها الآلة الإعلامية المساندة، وأخذت تعالجها بخطاب محلق، أحياناً ما كان يفارق معطيات الواقع، وأحياناً ما كان يهبط إلى الأرض. كانت كلمة «المليون» سراً أساسياً من أسرار هذه المشروعات، فمن مشروع «مليون وحدة سكنية»، إلى مشروع استصلاح «مليون فدان»، إلى مشروع الحصول على «مليون جرعة دواء لعلاج فيروس سى»، كانت مفردة «المليون» حاضرة بقوة، وإذا وجهت وجهك شطر مشروعات أخرى غير التى ذكرت فستجد أن مشروع قناة السويس الجديدة كان الأكثر حظوة، والأشد خطورة، بين جملة المشروعات التى طرحها الرئيس، فلا خلاف على أنه واحد من المشروعات الواعدة التى سيكون لها أثر إيجابى على الاقتصاد المصرى، لكن المبالغة فى بعض الأحيان كثيراً ما تحول الجاد إلى كوميدى، والواقعى إلى خرافى وأسطورى، ولا أجد أن المعالجة السياسية والإعلامية التى تعاطت مع هذا المشروع المهم فارقت المعالجة التى اعتدنا عليها أيام «المخلوع» حسنى مبارك، ولو أنك أعملت ذاكرتك بعض الوقت لتسترجع الكيفية التى كانت تعالج بها المؤسسة السياسية والإعلامية مشروع «توشكى» أيام حسنى مبارك، فستجد أنها استندت إلى العديد من الأفكار المركزية، من بينها أن هذا المشروع سوف يخرج مصر من الوادى الضيق إلى البراح، ويحل مشكلة التكدس السكانى، وسينعش الاقتصاد المصرى، ويسهم فى حل مشكلات التعليم، ويضرب فى عمق الأخطاء التاريخية للثقافة المصرية ليخرجها من محنة الاستيطان والالتصاق بالمكان (3.5% من مساحة مصر) لينطلق أهلها إلى الخلاء. بطريقة أو بأخرى يتم استدعاء هذا الأسلوب فى المعالجة مع المشروعات الكبرى التى يطرحها «السيسى»، فتحضر «الأسطورة» ويغيب التفكير العقلانى. ويبدو كل مشروع مداعباً لأسطورة «العصا السحرية» التى يمتلكها الرئيس، يمس بها الأشياء فينقلها من حال إلى حال.[FirstQuote]
حضرت المشروعات الكبرى بقوة فى أداء الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال العام الأول من حكمه، وعلت معها أصوات أجهزة الإعلام، أكثر من أى شىء آخر، لكن غاب فى مقابلها العديد من الملفات التى لم يتحرك فيها الرئيس بما هو متوقع من نشاط وهمة. قد يبدو هذا الأمر -فى نظر الكثيرين- طبيعياً وعادياً على أساس أن حضور الشخص فى مشاهد يعنى اختفاءه فى مشاهد أخرى، لكن يبقى أن المسئول مطالب بامتلاك البوصلة التى تهديه إلى الأولويات، أو ما هو فرض وما هو مندوب بلغة أهل الفقه خلال لحظة تاريخية معينة. الحاضر فى أداء الرئيس السيسى خلال عام يقول إن الرجل يحلم بدولة قوية، والغائب يعنى بلا مواربة أنه يريد أن يستعيد «الدولة المباركية».
الرئيس «السيسى» يحلم بدولة قوية، أجمع الكثير من المتابعين على التشبيه بينها وبين «روسيا»، تماماً مثلما أصر آخرون على المقارنة المستمرة بين «السيسى» و«بوتين». ويبدو أن هذا الأمر حقيقة واقعة بالنسبة للرئيس، على الأقل فيما يتعلق باحتفائه بالتجربة «البوتينية»، يشهد على ذلك زيارتاه لموسكو، قبيل وبعد انتخابه رئيساً، بالإضافة إلى استقباله الرئيس «بوتين» بالقاهرة. الرئيس حالم -وذلك جانب إيجابى فى شخصيته- ومن حوله يغذون فيه الحلم داخله بصورة لا أستطيع أن أحكم على مستوى سلبيتها أو إيجابيتها، لكن المشكلة أن الحلم الذى يفتقر إلى الأدوات يتحول بالضرورة إلى وهم، كما أن الطموح ميزة حين تتوافر فى الشخص، لكنها تتحول إلى عيب عندما يقفز صاحبه على معطيات الواقع. «السيسى» رجل حالم طموح، وأحياناً ما أشعر أن جوهر حلمه، أشد تواضعاً مما يصف الكثيرون، إنه يحلم فقط بالعودة اقتصادياً إلى مصر 24 يناير 2011، ربما كانت المشروعات الكبرى التى يتبناها، قادرة على تعلية سقف الحلم ليصل إلى منصة «روسيا بوتين»، لكننا لا نستطيع أن نقرر رأياً فى إمكانية ذلك حالياً، حتى ولو على سبيل التخمين، فالتحليل الذى لا يتأسس على معطيات الواقع لا يقل شططاً عن الحلم الذى يفتقد إلى أدوات تحقيقه.
دستور على الرف
باستثناء مواد معدودات بدا دستور 2014 الذى كان إحدى ثمرات (30 يونيو)، شديد الوضوح فى النص على الحريات الأساسية للمواطن وعدم التمييز بين المصريين، وشديد الصراحة فى تحديد صلاحيات كل من مجلس النواب والرئيس، وفى تجفيف منابع الفساد. ونستطيع أن نقدر أن الرئيس «السيسى» لا يكترث كثيراً بالدستور، وهو أسلوب فى التعامل ساد خلال الحقبة «المباركية»، إذ كان ينظر إلى الدستور كمجموعة من المواد ذات الصياغات البراقة، والمؤكدة للحقوق والحريات والصلاحيات وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لكن مهمة هذه المجموعة من الأوراق تنتهى بمجرد الاستفتاء عليها، ليكون مكانها الرف، مثلها فى ذلك مثل أى كتاب فى مجتمع لا يحب أغلب أفراده القراءة، ولا يميلون إلى إدارة حياتهم، طبقاً لنصوص الكتب. والحجة التى يتم الدفع بها فى وجه المعترضين، هى أن كلام الكتب شىء والواقع شىء آخر.
ينص دستور 2014 على أن ينشر الرئيس إقرار الذمة المالية الخاص به فى الجريدة الرسمية بمجرد توليه المنصب، كان ذلك هو المفتاح الأول للقفز على الدستور خلال العام الأول من حكم «السيسى»، ففى حدود علمى لم ينشر إقرار الذمة المالية الخاص بالرئيس حتى الآن، على الرغم من أنه بدأ حكمه بإعلان التنازل عن نصف دخله، ونصف ثروته، فى مشهد لم يعدم الزفة الإعلامية، التى تعد مكوناً أساسياً من مكونات الأداء داخل المجال العام خلال الشهور الماضية، أما فى باب الحقوق والحريات فحدث ولا حرج، حدثنى عن قانون التظاهر الذى يتناقض فى الكثير من بنوده مع مواد أقرها الدستور، ورغم ذلك تم تمريره بحجة أن قوانين شبيهة به موجودة فى أمريكا وأوروبا والدول المتقدمة، فى مشهد شديد الإثارة «تفنجلت» فيه أعين المؤيدين للقانون على قوانين التظاهر فى هذه الدول، فى الوقت الذى عميت فيه عن أشياء إيجابية عديدة موجودة هناك وغائبة هنا!. حدثنى عن التمييز الذى يمنعه الدستور ولا تجد فيه الجهات القضائية مندوحة، وقل لى ما هى أخبار وكلاء النيابة الذين تم استبعادهم من التعيين فى السلك القضائى بسبب وظائف آبائهم. قد يقول قائل إن «السيسى» أطاح بوزير العدل الذى تجرأ على قول الحقيقة عندما ذكر فى أحد البرامج إن الوسط القضائى غير مناسب لأبناء الزبالين، وهى فكرة تقليدية بامتياز، وقد جاء اختيار وزير العدل الوريث مؤكداً للخيال «المباركى» الذى يعد ملمحاً أساسياً من ملامح صناعة القرار خلال العام المنصرم.[SecondQuote]
تهنيج خارطة الطريق
لست بحاجة إلى تذكيرك أن الرئيس السيسى خرج على الناس فى 3 يوليو بخارطة طريق، أنجز منها خطوة على الورق، وهى خطوة إنجاز الدستور، وخطوة تالية تمثلت فى الانتخابات الرئاسية التى اختار فيها المصريون «السيسى» رئيساً للبلاد، أما الخطوة الثالثة فتاهت فى طريق شائك، تتقاطع فيه أسلاك القانون مع الدستور مع الواقع السياسى، بصورة أدت فى النهاية إلى تجميدها. بدا الأمر وكأن الرئاسة لا تريد إزعاجاً، انطلاقاً من أن طريق المشروعات الكبرى التى يتبناها الرئيس تتطلب إطلاق يده فى صناعة القرار، دون منغصات «نيابية». قد يكون، لكن هذا الأمر أدى إلى تجميد المشهد السياسى فى مصر ووضعه فى نفس «الثلاجة» التى عاش فيها ثلاثين عاماً، وقد انتهى الأمر بالأوضاع السياسية الجامدة إلى مشهد شديد العجب، اجتمع فيه الرئيس مع ممثلى القوى والأحزاب السياسية وطالبهم بتشكيل قائمة واحدة لخوض الانتخابات، وكأنها «استفتاء»!. هناك ثقة ولا شك فى شخص الرئيس، تبرر لكثيرين وضع كافة السلطات فى يده، لكن ذلك لا يعنى موضوعية هذا الأمر. فما معنى أن يسيطر شخص واحد على منصات صناعة القرار، دون رقيب أو حسيب، ودون نقد أو مراجعة؟. وما معنى أن يصدر القانون تلو القانون اتكالاً على أن مجلس النواب سيراجع مجمل القوانين بعد انعقاده، فى مدة لا تزيد على أسبوعين؟!. وحتى لو قيل إن الإعلام يمكن أن يقوم بدور فى المراجعة والمحاسبة، فإن الإعلام مسئولية، وليس سلطة، والمؤسسة الإعلامية تختلف أشد الاختلاف عن المؤسسة النيابية التى تتمتع بمسئوليات واضحة فى صناعة القرار طبقاً لدستور 2014. ولو أنك تأملت موقف الرئيس من الإعلام، فستجد أنه احتفى بإعلام الستينات، وغبط الرئيس جمال عبدالناصر على إعلامه، أنا أفهم أن الرئيس يريد إعلاماً داعماً لمشروعاته القومية الكبرى، لكن الحدود الفاصلة ما بين المسئولية الاجتماعية والأدبية للإعلام من ناحية والسقوط فى فخ الدعاية الفجة والزفات الإعلامية كثيراً ما تذوب، عندما يتعلق الأمر بشأن دعم الرئيس، والأخطر من ذلك أن تلك هى المعادلة التى تم تشكيل الأداء الإعلامى فى ضوئها منذ قيام ثورة يوليو 1952 وحتى قيام ثورة يناير 2011، وكان من المطالب المرفوعة فى الميدان إعادة هيكلة الإعلام، وهو أمر لم يحدث، وحتى الآن لم تتشكل المجالس الإعلامية والصحفية التى نص عليها الدستور، والأنكى أن هناك معلومات تتسرب من هنا وهناك تفيد بأن ثمة نية مبيتة من جانب السلطة لإعادة وزارة الإعلام من جديد، بعد أن تم إلغاؤها، ولكى تكتمل الصورة أمامك أذكرك بأن من ضمن البنود التى نصت عليها خارطة الطريق إصدار ميثاق شرف إعلامى، لكن هذا البند تاه مع بند الانتخابات حين وقفت «خارطة الطريق» فى «منتصف الطريق».
الصمت على إعادة هيكلة وزارة الداخلية
كانت «الداخلية» فى عهد «مبارك» تستند إلى معادلة يختلط فيها ما هو مبرر مع غير المبرر، داخلية «العادلى» كانت تحارب الإرهاب، وهو أمر مبرر، لكنها تحولت تحت يافطة «الحرب على الإرهاب» إلى أداة للقمع والمطاردة، وشكلت أداة أساسية من أدوات إسكات المصريين عبر سنين طويلة، وعندما قامت ثورة يناير توجهت بالأساس إلى وزارة الداخلية، أداة السيطرة الخشنة على المصريين، والتى تعمل إلى جوار الأداة الناعمة للسيطرة المتمثلة فى الإعلام. مشهد العام الماضى يقترب إلى حد ما من المشهد الذى ساد الحقبة المباركية. دعنى أحيلك إلى التقرير الصادر منذ أيام عن المجلس القومى لحقوق الإنسان -وهو جهة حقوقية حكومية- حول الأوضاع الحقوقية بمصر خلال الأشهر الأخيرة، أشار التقرير إلى وجود انتهاك جسيم للحق فى الحياة، فقد بلغ عدد الضحايا 2600 ضحية، منهم 700 من قوات الأمن، و550 من المدنيين سقطوا نتيجة أعمال عنف ارتكبتها الميليشيات المؤيدة لتنظيم الإخوان والجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى 1250 من الإخوان، يضاف إلى ذلك العشرات ممن ماتوا داخل أقسام الشرطة أو فى الحجز أو فى السجون. وتؤشر هذه الأرقام إلى حقيقتين أولاهما أن هذا العدد الكبير من شهداء قوات الأمن يؤشر إلى وجود خلل ما فى الأداء، وثانيتهما أن ثمة استسهالاً فى إزهاق أرواح الآخرين، والحقيقتان تقتضيان إعادة هيكلة الشرطة، بحيث تصبح أداة فى خدمة الشعب -وليس الحاكم- من ناحية، وزيادة مستوى احترافيتها بصورة تقلل من خسائرها من ناحية أخرى.
تقديرى أن الشرطة أحرجت الرئيس فى مواقف عديدة، منذ واقعة التحرش بالسيدة التى نزلت للاحتفال بانتخابه، وحتى السكوت عن القبض على الإعلامى أحمد موسى بعد الحكم بسنتين حبساً، وبينهما ظهرت الكثير من الممارسات القمعية والتعسفية مع مواطنين عاديين، ووصل الأمر إلى حد القتل كما حدث مع الشهيدة شيماء الصباغ، لو كان صوت المواطن يصل إلى الرئيس لأدرك أن الشارع يصرخ: «الشرطة عادت إلى ما كانت عليه أيام مبارك»، وهو مؤشر خطير للغاية، فقد أتى مبارك من ناحية شرطته، وسكوت «السيسى» عن موضوع إعادة هيكلة الداخلية -وهو يعلم ذلك- يؤشر إلى أحد أمرين: فإما أن يكون مؤشراً على الرضا، أو مؤشراً على عدم القدرة على المواجهة فى الوقت الحالى، وأنه يؤجل الأمر حتى حين، ولو كانت الثانية، لا بد أن يأخذ الرئيس فى الاعتبار أن قدرة المصريين على الصبر تآكلت ولم تعد كما كانت فى السابق. إعادة هيكلة الشرطة أصبحت أمراً ملحاً قبل أن تصل الأمور إلى طريق مسدود، كما حدث قبل 25 يناير 2011، وأظن أن غياب هذا الملف يشكل حجر عثرة فى طريق الرئيس، والمسألة لا ترتبط فقط بتغيير وزراء أو نقل قيادات أو رجاءات للشرطة، لكى تحسن معاملة المواطنين، بل تتعلق بدفع هذه المؤسسة إلى تبنى فكر مغاير لما تربت عليه أيام مبارك، من أنها تعمل كأداة حراسة للنظام، وتخوض بالوكالة معاركه الميدانية مع معارضيه وخصومه السياسيين.[ThirdQuote]
عجلة الاقتصاد الساكنة
عجلة الاقتصاد، إلا فى أحوال قليلة للغاية، نامت واستكانت خلال العام الأول من حكم «السيسى»، لأنه لجأ إلى الحلول التقليدية لحل مشكلة العجز فى الموازنة من خلال التفتيش فى جيب المواطن، عبر آليات خفض الدعم وفرض الضرائب، فى المقابل من ذلك غابت الحلول غير التقليدية التى تقتضى منه نوعاً من المواجهة، كما حدث مع رجال الأعمال. بدأ «السيسى» حكمه بتلك الرسالة الشهيرة التى قال فيها لرجال الأعمال: «هتدفعوا.. هتدفعوا»، لم يدفع رجال الأعمال، فلم يحرك الرئيس ساكناً، بل ترك الأمور تسير، ويستغرب المتابع من حدة اللهجة التى تحدث بها الرئيس فى البداية وهو يتناول هذا الملف، والتى أعقبها نوع من السكات العجيب، بل والقفز على الدور الذى يقوم به بعض رجال الأعمال فى «وقف حال البلد»، ولو أنك تأملت وجوه الكثير من أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة، فستجد أن فكرة «وقف الحال» مرسومة بعبقرية على وجوههم. لم يكتف الرئيس بالسكات، بل انتقل منه إلى «الاسترضاء»، فما معنى إلغاء ضريبة الأغنياء، ثم ضريبة البورصة إلا أن الرئيس يحاول استرضاء رجال الأعمال بعد أن أظهروا العين «الحمرا» فى تلك العملية المدروسة التى قاموا من خلالها بوقف حال البورصة. وتعجب حين تجد أن بعض مؤسسات المال العالمية عبرت عن استيائها من إلغاء هذه الضريبة. وكان من الطبيعى فى ظل هذا التخبط فى السياسات أن تحجم الاستثمارات عن التدفق إلى مصر، ورغم الجهد الذى بُذل من سياسيين وإعلاميين فى المؤتمر الاقتصادى الذى عقد بمدينة شرم الشيخ، فإن المواطن لم يلمس حتى الآن عائداً أو نتائج ملموسة له على أرض الاقتصاد الذى يرفع شعار: «محلك سر». والرئيس من ناحيته يعتمد على القوات المسلحة فى إنجاز المشروعات الكبرى، ويفهم فى المقابل أن هذا الأمر يغضب رجال الأعمال ويثير حفيظتهم، لكنها فى البدء والمنتهى مقتضيات مشهد وشروط سياق!.
الشاهد فى هذا الملف أن الرئيس بدأ مع رجال الأعمال بالحدة، ثم السكات، ثم الاسترضاء، الأمر الذى يعنى أن المال أصبح قيماً على السياسة، أو بعبارة أخرى، غدا استمرار معادلة ذوبان الحدود بين المال والسياسة الذى حكم عصر مبارك هو المعادلة التى تحكم العصر الحالى، أما الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى الذين قاموا بثورة يناير فقد أصبحوا المسئولين عن تعويض العجز فى الموازنة العامة للبلاد من جيوبهم. ويتخيل البعض أن الضغط على المواطن هو السبيل الأسهل للحصول على المال، فى حين أن مواجهة رجال الأعمال قد تكون عالية الكلفة، خصوصاً أن بإمكانهم الإضرار بمن يجلس على كرسى الحكم، وهز استقراره عليه. وأتصور أن هذه «الحسبة» يعوزها بعض الدقة.
تهميش الشباب
تضمنت خارطة الطريق بنداً ينص على: «اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب فى مؤسسات الدولة، ليكون شريكاً فى القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة». وقد ورثنا عن عصر مبارك أن مصطلح «التمكين» لا يستخدم إلا فى الحالات التى تريد فيها الدولة المتاجرة بقطاع معين من القطاعات، وأن طرح فكرة «التمكين»، مثل موضوع تمكين المرأة أيام مبارك، يعنى أن الأمر لن يتعدى رفع الشعار، وسيقابله التهميش فى الواقع العملى، وهذا هو ما حدث بعد 30 يونيو التى رفعت خارطة طريقها شعار تمكين الشباب على الورق، لكنها همّشته فى الواقع. ثمة أزمة بين الرئاسة والشباب، لم يجتهد الرئيس فى حلها. تقارير عديدة صدرت بعد 30 يونيو أكدت له أنه -أى الرئيس- لا يتمتع بالجماهيرية المطلوبة لدى هذا القطاع، رغم ما تميز به من شعبية جارفة على مستوى الفئات الأخرى، وكان صدور قانون التظاهر، وملاحقة عدد من الشباب المحسوبين على ثورة يناير، وحبس آخرين، سبباً مباشراً فى توسيع الفجوة بين الشباب والرئيس، ولست أدرى ماذا يمكن أن تكون نتائج استطلاع رأى الشباب إزاء الأوضاع الحالية فى مصر وموقفهم منها، لكن الذى أثق فيه أن نظرة الشباب المصرى إلى السلطة الحالية ليست على ما يرام، وأن السلطة من جهتها لا تبذل جهداً حقيقياً فى حل هذه المشكلة.
لقد كتبت ذات يوم عن هذا الموضوع، وقلت: «الاستماع إلى الشباب فضيلة، والإجابة عن تساؤلاتهم واجب، وتحمل نزقهم حكمة، ومساعدتهم على فهم ما يحدث حولهم وعى، واحتواؤهم واستيعابهم دعم للمستقبل. هذا الحوار نقطة بداية فى خط مستقيم وجسر صلة لا بد أن تتدعم باستمرار بين الرئاسة والشباب. الكل يعلم أن شبابنا يعانى حالة محسوسة من حالات الإحباط. فبعد ثورة مجيدة بدأت فى يناير 2011 وتواصلت فى 30 يونيو ما زال يجد نفسه على هامش تفكير صناع القرار. تسكين نفس والاستجابة لعقل الجيل الجديد هو أكبر ضمانة لاستقرار هذا البلد»، يخطئ من يهمل فكرة أن ثورة يناير -بموجاتها المختلفة- دعا إليها وقادها وضحى من أجلها الشباب، وفى حين حصدت دولة العواجيز كل المغانم وسيطرت على كل المواقع والمفاصل، لم ينل الشباب مقابلاً لتضحياته. ثمة حالة من الغضب تسيطر على قطاعات عديدة من الشباب حالياً، وجوهر غضب الشباب يرتبط بإحساس لديهم بأن هناك من يريد إعادة مصر إلى معادلات «الحقبة المباركية»، وهو أمر يهدد مستقبل هذا البلد.