بروفايل| "الكرنك".. معبد الحضارة

كتب: جهاد عباس

بروفايل| "الكرنك".. معبد الحضارة

بروفايل| "الكرنك".. معبد الحضارة

معابد الكرنك أكبر دار عبادة على وجه الأرض، تمتد على مساحة تتجاوز 60 فداناً، ومحاطة بسور يتجاوز طوله 550 متراً، تعكس بمهارة وحرفية فنية تاريخ مصر السياسى والعقائدى والفنى خلال ألفى عام، منذ الدولة الوسطى حتى حكم البطالمة لمصر. أرض الكرنك، التى اعتبرها أجدادنا مقدسة، عكست عقائد المصريين القدماء، حيث شملت المعبد الرئيسى للإله آمون، أى الإله الخفى الذى لا يُرَى، وكان قمة ازدهار بناء المعابد فى الدولة الحديثة، حيث كانت تلك هى طريقة الحكام للتقرب من الآلهة، من خلال بناء مسلة مغطاة بالذهب، أو بناء صرح ضخم، أو صالة أعمدة، ولذلك يظهر معبد آمون بضخامة لا مثيل لها. ومن أشهر ما بُنى فى المعبد المسلتان الشامختان للملكة حتشبسوت، والمبانى الضخمة التى بناها الملك تحتمس الثالث ليحاصر ويخفى مسلتى حتشبسوت، وكانت عادة مصرية قديمة، أن يحاول كل ملك إخفاء أثر الملك الذى سبقه، أو أن يقوم بمحو اسمه وتاريخه. المعبد أيضاً يعكس الصراع الدينى، فعندما جاء إخناتون دعا لعبادة إله واحد وهو «آتون»، قائماً بأول ثورة دينية فى عصره، عندما بنى معبد لـ«آتون» شرقى معبد آمون فى الكرنك، وبدأ الصراع بين كهنة آمون وكهنة آتون، حتى أنهاه الملك حور محب، حيث اضطر لإرضاء كهنة آمون أصحاب النفوذ، وهدم معبد آتون، واستخدم أحجار المعبد الضخمة كحشو للصروح الثلاثة التى شيّدها. أما فى عهد رمسيس الأول فشهدت مصر، والعالم أجمع، أسلوباً جديداً فى ضخامة المعمار، حين أضاف للكرنك صالة الأساطين، وسار على دربه من جاء بعده. ومن خلال معابد الكرنك، اكتشف العلماء أن حكام الأسرة الـ22 ليبيون، لم يتبقّ من آثارهم غير عمود «طهرقا» الشهير. وعندما جاء البطالمة وحكموا مصر، اهتموا بترميم الكرنك، وأرادوا أيضاً، أن يتركوا بصْمَتهم فى تلك البقعة المقدسة، فأقام «فيليب أريديوس» مقصورة من الجرانيت الوردى للمركب المقدس، والمركب المقدس فى العقيدة المصرية يرجع إلى إيمان الملوك برحلة الانتقال من الأرض إلى السماء بعد الموت، ولذلك شيّدوا مراكب خشبية عملاقة، لينتقلوا من خلالها. ويضم مجمع معابد الكرنك معابد بُنيت لمعبودات أخرى غير آمون، فتجد فى الجنوب معبد خنسو ومعبد الإلهة أبت، وفى الشمال معبد بتاح، وفى الشرق معبد آتون المهدّم، فالقدماء المصريون لم يعبدوا الحيوانات كما أشيع عنهم، لكنهم تمتعوا بقدرة خاصة على التأمل فى الطبيعة والنجوم، وأدركوا الرمزية والقيم الأخلاقية مثل العدالة والأمومة، وعكسوا تلك الرمزية من خلال معبوداتهم. وفى شرق المعابد نجد البحيرة المقدسة، التى كانت تستخدم للتطهر قبل الطقوس الدينية، وبجوار البحيرة جعران من الجرانيت، الجعران الذى كان رمز البعث والولادة فى الحضارة المصرية القديمة، وحتى اليوم تجد أعداداً كبيرة من الزائرات مهتمات بالجعران، لاعتقادهن أنه سيحقق أمنياتهن فى الحمل والولادة. وأمام الصرح الأول للمعبد بحوالى 20 متراً، يقبع طريق الكباش، وهى تماثيل ضخمة بجسم أسد ورأس كبش، وتلك التماثيل رمزية للإله آمون رع، حيث كان طريقاً مقدساً تمر به الاحتفالات ومواكب الملوك، من معبد الأقصر حتى معبد الكرنك. ولسنوات طويلة ترسخ فى وجدان المصريين حفلات «الصوت والضوء» التى تقام فى معابد الكرنك، والتى تروى تاريخ طيبة -أى الأقصر، العاصمة الرئيسية للحضارة المصرية القديمة.