"شيماء" فى "مجارى الموت": بموت يوميا.. وعم "فضل": "معرفش شكل الحنفية"
أقدامهم لا تعرف لليابس سبيلاً، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وعناء من المعيشة فوق بركة من المياه العفنة، بيوتهم ومتاعهم عائمة مثلهم طول العام، يزيد منسوبها فى الصيف جراء مياه مصارف دباغة الجلود التى تتخلل مصانعها بيوتهم، وأمطار وسيول تكاد تكسوها عند قدوم الشتاء.
شارع طويل وممتد رغم ضيقه ليصل بين نهاية سور مجرى العيون من طرف، وجبانات السيدة عائشة من ناحية أخرى، ينفصل سكان شارع المياه عن العالم من حولهم، فلا يملكون قرار الخروج من عاصمتهم الغارقة، دون ارتداء حذاء بلاستيكى أشبه بذلك الذى يستخدمه الجزار فى عمله، للتكيف مع المياه القذرة التى تعلو أقدامهم بمقدار الأمتار، حياة فرضت عليهم العزلة عن الأرض، يعى سكانها وحدهم أنهم وسط مياه مجارى لا تجف حتى فى أكثر أيام الصيف حرارة، وأشدها قسوة.
فى عاصمة الغارقين، يفرق كل بيت عن جاره سلك كهرباء عائم بدوره وسط المياه التى تصرفها شبكة الصرف الصحى الهالكة، بينما اقتطع الأهالى لأنفسهم بضعة سنتيمترات من الرصيف للسير عليها، خشية التزحلق أو الغرق فى شلال الوحل المتدفق أسفل المنازل المعلقة، حيل أخرى اتخذها الجيل الجديد من الشباب والأطفال الذين تفتحت عيونهم على حياه وسط بركة من المجارى، وأُجبروا على تحملها قهراً، حيلتهم فيها قطع خشبية ممددة بين المنازل للوصول إلى أقرب رصيف ضيق يمكن أن يهتدوا به إلى خارج منطقتهم.
بخطوات متأنية تحصيها جيداً قبل أن تجرؤ على الإقدام عليها، ترفع طرف ثوبها المتسخ إلى أعلى بإحدى كفيها، وباليد الأخرى تحمل صغيرها البالغ من العمر 6 سنوات، لا يغادر المنزل بدونها، فإذا تخطى عتبته تعرف «شيماء حسن» أن النتيجة محتومة «غارق أو سيصعق حتماً بالكهرباء»، حياة تكيفت معها، فصارت تحصى عدد مرات نزولها من المنزل لتقضى احتياجات منزلها دفعة واحدة، حتى لا تتعرض وأبناؤها الثلاثة إلى الشارع مرات عديدة، تجنباً للخطر الذى ينتظرهم فى شارع غارق، «اتجوزت مدبغجى وعشت مع عيلته هنا، الحمد لله على كل حال».
مرات عديدة تزحلقت أقدام السيدة الثلاثينية، وتعرضت للكسر، تجارب مريرة أخرى عجزت فيها السيدة رغم شبابها فى التكيف مع أمتار الموت القريبة من منزلها، فما بال العجائز، «حماتى المسنة كانت هتموت، بنشيلها زى الأطفال علشان نعدى الشارع»، حياة «شيماء» لم تتغير كثيراً، غادرت منزل أبيها فى منطقة عشوائية لتنتقل إلى منطقة مهمشة بصورة أكبر، «لما سبت بيتنا فى إسطبل عنتر وجيت عشت هنا قلت آهى عيشة والسلام، تعبت كتير علشان أعرف أتحرك، أو أمشى نفسى هدومى ماتتوسخش، نفسى أولادى يلعبوا قصاد عينى قدام البيت»، لا تجد «شيماء» منفذاً للهواء النظيف، الرائحة الكريهة تضيق عليها الخناق لدرجة اعتادت عليها، «أوقات كتير صدرى بيضيق، بموت فى اليوم ألف مرة، بس احنا أحسن من غيرنا الحمد لله».
ربما كانت حياة «شيماء» بالفعل أفضل حالاً من غيرها، فأقرب جيرانها «عم ضيف درويش» يسكن فى عشة لا تدخلها الشمس، ولا الهواء النقى أبداً، كل ما يعينه على الحياة فيها، بضعة صور للرئيس عبدالفتاح السيسى موزعة بين جنبات عشته العائمة، يعلقها أيضاً بجوار علم مصر فوق العشة، يتباهى أنه يمتلك عشة تطل على بركة من المجارى، حين تضيق عليه، يدنو من نافذته المهشمة يحاول البحث عن أى نسمة هواء عابرة لم تلوثها شلالات المجارى التى ترمح حول عشته دون توقف، «عايش بفضل الله والناس بتحبنى».
يظن عم «فضل» أن سكان عاصمة الغارقين يعرفونه، لكن بطبيعة الحال، معظمهم نسى ملامحه، من كثرة مكوثه داخل عشة لا يفارقها ليل نهار، بعد إصابته بالكبد والأمراض الصدرية جراء العيشة وسط المجارى، «مابخرجش خالص، والأهالى والأحباب والجيران اللى يفتكرنى بيبعتلى أى لقمة أعيش بيها».
عشته الخشبية التى أسسها بمنطقة مصر القديمة منذ أن جاء من قريته ببنى سويف قبل 25 عاماً، برفقة زوجته وابنيه ليساعد عمه فى نقل الجلود بعد دباغتها، لم يتحملها سواه، فصارت العشة مقبرة وسط مياه المجارى، رحلت عنها الزوجة وهجرها الأبناء، بعد أن اشتد عودهم، وباتوا قادرين على الإنفاق على أنفسهم، فروا من الأمراض والموت صعقاً أو غرقاً، ولم يتبق سوى عم «فضل» وحيداً بداخلها، عظامه وبدنه أصابهما الوهن جراء قرار البقاء، ومع ذلك لم يفرط فى عشته ولم يندم على البقاء محتفظاً بالذكريات، وارتضى بها، «كنت بنقل الجلود من مصر القديمة لباقى المناطق والعيشة كانت زى الفل لحد ما الشارع بقى ده حاله من كام سنة»، معللاً السبب «كل ما يزيد عدد السكان يزيد الصرف وتسوء الحالة».
يتذكر عم «فضل» بالكاد أنه شاهد المياه النظيفة مرة أو مرتين منذ 25 عاماً، فالمياه النظيفة صعب الحصول عليها بعيداً عن تلك الصناديق التى ينال منها ما يجود به الجيران، يقتنونها من سيارات المياه التى توزع عليهم الصناديق المعبأة، «الناس هنا ما تعرفش شكل الحنفيات كل اللى نعرفه عن الميه، اللى لونها أسود وريحتها وحشة ومحاوطة بيوتنا وخنقانا وراضيين».