فى "مجرى العيون".. مياه الصرف فرضت على عم "أحمد" النوم فوق عربة كارو
أقدامهم لا تعرف لليابس سبيلاً، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وعناء من المعيشة فوق بركة من المياه العفنة، بيوتهم ومتاعهم عائمة مثلهم طول العام، يزيد منسوبها فى الصيف جراء مياه مصارف دباغة الجلود التى تتخلل مصانعها بيوتهم، وأمطار وسيول تكاد تكسوها عند قدوم الشتاء.
شارع طويل وممتد رغم ضيقه ليصل بين نهاية سور مجرى العيون من طرف، وجبانات السيدة عائشة من ناحية أخرى، ينفصل سكان شارع المياه عن العالم من حولهم، فلا يملكون قرار الخروج من عاصمتهم الغارقة، دون ارتداء حذاء بلاستيكى أشبه بذلك الذى يستخدمه الجزار فى عمله، للتكيف مع المياه القذرة التى تعلو أقدامهم بمقدار الأمتار، حياة فرضت عليهم العزلة عن الأرض، يعى سكانها وحدهم أنهم وسط مياه مجارى لا تجف حتى فى أكثر أيام الصيف حرارة، وأشدها قسوة.
فى عاصمة الغارقين، يفرق كل بيت عن جاره سلك كهرباء عائم بدوره وسط المياه التى تصرفها شبكة الصرف الصحى الهالكة، بينما اقتطع الأهالى لأنفسهم بضعة سنتيمترات من الرصيف للسير عليها، خشية التزحلق أو الغرق فى شلال الوحل المتدفق أسفل المنازل المعلقة، حيل أخرى اتخذها الجيل الجديد من الشباب والأطفال الذين تفتحت عيونهم على حياه وسط بركة من المجارى، وأُجبروا على تحملها قهراً، حيلتهم فيها قطع خشبية ممددة بين المنازل للوصول إلى أقرب رصيف ضيق يمكن أن يهتدوا به إلى خارج منطقتهم.
فوق عربة خشبية مسطحة، يتقدمها حصان، يهرب عم «أحمد محمود» الشهير بـ«طفشان» من بيوت لم تتسع، رغم غرقها بمياه الصرف، لرقدته بعد انتهاء يوم العمل، لم يجد سوى مساحة ضيقة فوق عربة كارو يعمل عليها بالنهار، ويتخذها فراشاً ينام عليه فى وضع القرفصاء حين يحل المساء، فالأرض من حوله تغرق بمياه الصرف التى لم تسمح له بمجرد المرور من فوقها، فما بال الباحثين عن الراحة، «بطلع أفرش على عربيتى بعد ما أسلم البضاعة من المصانع للمدابغ والعكس كل يوم».
أسرة «الطفشان» لم تهرب من مصيرها، بداخل منزل مكون من غرفة واحدة، يسكن الـ5 أبناء وأمهم، متعتهم الوحيدة الخروج عن عاصمة الغرق ورائحة الجلود كل عيد، بزيارة السيدة عائشة أو ملاهى الفقراء بالسيدة زينب، يقول «عم أحمد»، البيت مافيهوش مكان لى، والشارع كمان مش فيه أى حتة ناشفة، ده ساعات الميه بتغرق عربيتى كمان!».
وسط حى معظم سكانه يعملون فى دباغة الجلود أو ما يلحق بها من صناعة، كان عم «شعبان رزق» يبحث عن رزقه من وجع الأهالى، فلا شك أن مصائب قوم عند قوم فوائد، لذا قرر الرجل الخمسينى أن يجمع القمامة من قلب المصارف التى تعلو المنازل، ويتقاضى أجره على ذلك من البيوت التى تكفى حاجات يومها بالكاد، فضلاً عن «إكرامية» الأفراد العاملين بالمصانع، أو أصحاب المدابغ أنفسهم، «الزبالة دى نعمة كبيرة»، بحسب عم «شعبان».
يد متسخة تقطر القذارة، وجلباب يكشف عن ساقين حافيتين، يتحرك عم «شعبان» بخفه واحترافية، يميناً ويساراً وسط المياه التى لا يجرؤ الساكنون وسط بيوت عائمة على وجهها، على خوضها دون نعل مرتفع، «عشان الميه تجرى بطبيعتها بقيت أجمع الزبالة بإيدى وأحطها فى أكياس بلاستيك وبعدين أرميها»، مخلفات الصرف الصلبة لا ترحم أهلها وربما تتسبب فى ارتفاع منسوب المياه كى لا تصل إلى نهاية الخط، «عشان كده الناس مقدرة تعبى، بيدونى اللى فيه النصيب».
15 جنيهاً أو أكثر قليلاً يومية كافية لعم «شعبان» ليخفف من واقع مأساة واقعة على الأهالى، ومأساة تقع عليه هو شخصياً، إذ إنه لن يستطيع أن يطعم أولاده حال حل أزمة المجارى، «لو المشكلة اتحلت ورجعت الأرض نشفت، مش هلاقى شغلانة وهشحت أنا ومراتى وبناتى».
ولأن الغاية تبرر الوسيلة، قرر الحاج «صلاح السباعى» أن يفتح محله وسط شارع المجارى الغارق طول العام، فلا غنى عن محل يبيع أحذية بلاستيك مرتفعة قليلة، وبحكم صنعته فى الجزارة، هجر عم «صلاح» مهنته القديمة لصالح مهنة جديدة فى منطقة لا يستغنى سكانها عن بضاعته، «ببيع كل حذاء بـ30 جنيه هو تمنه أكتر من كده بس بحاول أساعد الناس الغلابة».
لا يهم عم «صلاح» إذا تحسنت أحوال المنطقة واستطاع أهلها العيش على الأرض بدلاً من العوم على «وش» المجارى، فكل همه الحصيلة اليومية من بيع بضاعته، «طب أنا آكل منين وأعلم عيالى، هما راضيين بعيشتهم وأنا كمان راضى»، يلزم عم «صلاح» كى يستطيع العبور إلى محله ممارسة كل أشكال «الأكروبات» وكأنه عارض فى السيرك، فالرصيف نفسه لم يسلم من الغرق إلا بعض الحواجز الحجرية التى وضعها السكان للقفز عليها، وبينهم الرجل الأربعينى، «أنا كمان بلبس الحذاء ده، لأن طباخ السم بيدوقه ولقمة العيش مرة».