اليوم.. اتممت قصيدتى

كتب: محمود الكردوسى

اليوم.. اتممت قصيدتى

اليوم.. اتممت قصيدتى

ليس فى الشعر «مناسبة»، وليس للشاعر «موت». فى تأبين عبدالرحمن الأبنودى، وفى مناسبة افتتاح متحف السيرة الهلالية، قلت إن هذا ليس تأبيناً، ولا عبدالرحمن مات لنؤبنه. الشعراء كالأنبياء، يُبعثون فى موتهم. يقول الشاعر حتى إذا لم تكتمل القصيدة: «اليوم أتممت عليكم قصيدتى»، ثم يصعد على سلمها ليجلس فى مكانه المفضل إلى جوار العرش. ترك عبدالرحمن «رسالة»، وأوصانا أن «نجتهد». كتب فى كل شىء، وانفعل كما ينبغى لصاحب رسالة. غضب وكشر. أحب وذاب. ثار وحطم. هدَّ وبنى. حارب وغنَّى. ومن بلاط السجن إلى بلاط العرش كان يتأبط «نصه» اللامع كالنصل ويقول للغلبان: «اتبعنى، فأنا رصاصتك ولقمة عيشك وآهتك الباحثة عن نصفك الآخر». كتب عبدالرحمن جبلاً من الشعر، فاتزنت الأرض واستقرت. كتب فى لحظة الفرح فاصطفت الملائكة سوراً يحرس القصيدة حتى تدخل القلب. كتب فى لحظة الحزن فسالت القصيدة لبناً وعسلاً فى شقوق الأرض. كتب فى لحظة الثورة فالتأمت الحشود -على اختلاف الهوى- شعاراً يزلزل عروش الطغاة. كتب فى الظلم فاعتدل الميزان. كتب فى الحرب فقال الحجر لصاحب القضية: خصمك ورائى.. فاقتله. وكتب فى لحظة الهزيمة فانفلتت إرادة المهزوم من تحت الأنقاض كما ينفلت الظفر من اللحم: «عدى النهار.. والمغربية جاية.. تتخفى ورا ضهر الشجر.. وعشان نتوه فى السكة.. شالت من ليالينا القمر.. وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها.. جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها». سألته يوماً ونحن على مائدة غداء فى بيته الريفى فى الإسماعيلية: قل لى يا خال.. كيف كتبت «قلبى ما يشبهنيش»؟. كيف لخصتنى وأجبت عن سؤال يحيرنى ويحير كل من أحب وتعثر؟. كيف غزلتها هكذا؟. من أين أتاك وحيها: «فى الحب والإحساس.. وفى اختيار الناس.. بيمشى على كيفه كتير وما يقوليش»!.. يا الله!. أنا الذى أتمرمغ فى طين الأرض وحفيت قدماى بحثاً عن الحب.. لم أصل إلى هذا المعنى، مع أن كلام الأغنية سهل.. أسهل من أن أبحث عنه!. كيف كتبتها يا خال؟. ابتسم يومها ولم يرد. أبنود قاسية، وقيظها «يفرقع المقل».. كما كان والدى يقول.. ألهذا بلغ عبدالرحمن من النضج والشفافية حد الأنبياء؟. ألهذا تولد القصيدة فى صعيد مصر مكتملة: نوراً وناراً؟. أبنود طيبة، بسيطة، لكن شيطان الشعر يكمن فى تفاصيلها، ويتصبب عرقاً لأنه لا يكل ولا يمل، وإذا لم يعزق ويروى ويحصد.. جلس فى الظل يقول موالاً. أبنود تستر نصف وجهها فى النهار بالطرحة، وتبتسم للغرباء من تحتها. وفى الليل تعرِّى قلبها للموت وتتخمر «عديداً» كسلاسل الذهب. هنا، فى أبنود، ولد «عبدالرحمن»، ومن ولد فى أبنود.. لن يميته موت.