بشرة سمراء، وعينان ذابلتان، إحداهما أغمضها العجز والثانية تحاول بمساعدة نظارته الطبية إدراك ما يجرى، يجلس سيد الضوى -آخر رواة السيرة الهلالية- بجلبابه الأبيض، ينفث دخان سجارته، وفى يمينه عكاز يتكئ عليه حيناً، ويطرق به باب منزله الحديدى حيناً آخر، منادياً على حفيده «رمضان» كى يقضى له حاجة، أو يساعده على النهوض، أو يخبره بمواعيد الأفراح والليالى التى يستعد أن يلقى فيها ما تيسر من سيرة بنى هلال. الطريق إلى منزله لا يخطئه أحد، حيث يستقر فى شارع ضيق، ممهوراً باسمه ومقاطع من السيرة وبعض الرسوم المزركشة. يتكئ على عصاه إلى داخل منزله، حيث غرفة استقبال الضيوف، تتوسط أحد جدرانها صورته إلى جانب «الأبنودى» وصورة له ممهورة بـ«آخر رجال بنى هلال» ممسكاً بالربابة، يتربع على أريكة ويتحدث بهدوء، ينطق الجملة ويستريح قليلاً، ولا يلفظ اسم الأبنودى قبل أن يسبقه بلقب «الأستاذ».
الرجل الذى يحفظ أكثر من 5 ملايين بيت من السيرة يستعين من وقت إلى آخر بحفيده «رمضان»، ليساعده على تذكر توقيت التقاط صورته بجانب «الأبنودى»: «معلش يا وليدى.. العجز برضك»، يدخل يده فى فمه بعنف ويخرج طاقم أسنانه: «اتجلعت من كتر العجز، وشعرنا شاب من سنين العمر»، يعيد الطاقم إلى موضعه ويكمل كلامه.
سيد الضوى، الذى يعرفه الناس بلقب «شيخ القوالين»، يتحدث الآن بصعوبة، وهو يروى تاريخه مع الأبنودى: «يا ولدى كلنا للعدم». يتذكر حين التقيا وكان كل منهما فى العشرين: «كان بييجى عشان يسمع السيرة من أبويا وبقينا صحاب. هو بلدياتى والمسافة بين أبنود وقوص خمس دقايق. كانت المواصلة بخمس قروش أو 10 صاغ». يستقلها عبدالرحمن ليستمع للسيرة من لسان والدى. كنت لسه ما حفظتش حتى ربع السيرة وقتها.. من 35 سنة». حفظها كلها بعد ذلك من والده الذى نزح إلى قوص من البلينا فى سوهاج ومن عمه جابر أبوحسين آدم: «كنا فى المناسبات نفضل قاعدين أنا وعبدالرحمن ورا أبويا وهو بينشد.. يغلبنا النعاس ننام ورا بعض على المسرح ويغطينا أبويا بعبايته». وافترق الاثنان بعد أن قرر «عبدالرحمن» أن يرحل إلى القاهرة: «ربنا كرمه وبقت قنا كلها تحلف باسمه»، لكن ظل على وصال مع صديقه القديم: «جالنا هنا كذا مرة. هو ومراته الأولى قبل ما ياخد نهال».
قبل 20 عاماً دق الأبنودى باب الضوى يحمل مشروعاً لجمع السيرة من أفواه الرواة، وأول ما فكر فيه كان صديقه القديم: «برم على بتوع السيرة من الدقهلية والشرقية والغربية وسجل من جماعة كتير». لكن الرجل العجوز يقتنع بأن السيرة فى الصعيد تختلف عن سيرة بحرى: «سيرة الصعيد فى مقطع واحد ممكن تاخد 3 أيام عشان تجيب آخرها»، يردد ما تحتويه السيرة تباعاً: «الهم والجمال والطبيب والرسول عليه الصلاة والسلام» ويستطرد كما لو أنه سيبدأ فى الرواية: «وما تحلاش إلا بصلاة النبى».
سجل الضوى مع الأبنودى أكثر من ثلث السيرة بصوته: «كنا بنسجل فى جنينة فيلته بالإسماعيلية.. قعدنا 17 يوماً هناك»، ويقول إنه سافر إلى سوريا وتونس إلى مختلف بلدان العالم العربى والغربى يروى بصحبة عبدالرحمن للجاليات العربية هناك وللخواجات فى آن واحد: «كنا بنكتب له وهو يرويها». التركة التى خلفها عبدالرحمن من السيرة ستساعد على حفظها أبد الدهر، وهى أكبر عمل سيحفظ اسم الأبنودى ومعه رواة السيرة: «لولاه كانت راحت السيرة بموت الرواة»، ورغم ذلك يقول «الضوى» إن أكثر من 45 جزءاً لم تسجل حتى الآن. كان الموت أسرع إذ خطف عبدالرحمن قبل استكمالها، ويسعى «الضوى» لاستكمال مشروع الأبنودى من خلال بيت السحيمى: «عايزين نخلصها قبل ما أجل ربنا يحين». ويصف «الضوى» السيرة بـ«مرجلة وكرم وفرسنة.. سيرة الناس الأشراف فى بنى هلال»، ويستطرد: «الهلايل من بنى هلال.. فوق الرياض فى نجد.. وسميت بنى هلال لأن هلال الشهر بيبان على أراضيها، وأبطالها على الزيبق وسيف بن ذى يزن وعنترة بن شداد والظاهر بيبرس».