بالفيديو| "عم مصطفى" طرده المستشفى.. فعاش فى "التوك توك"
فى زاوية متسعة من شارع العشرين بمنطقة فيصل يرقد مصطفى عبدالكريم، صاحب الـ65 عاماً، على الكرسى الخلفى لتوك توك قديم معطل، لا يتحرك «مصطفى» بعد أن تمكّن منه المرض وتغلغل فى جسده النحيل، يأكل الدود فى جراحه المفتوحة بلا رحمة، يعتبرونه ميتاً رغم أنفاسه التى تخرج، ونبضاته التى لا تتوقف، مساعدات الأهالى المحيطين به بجوار ترعة عبدالعال، تعينه على البقاء على قيد الحياة، بعد أن رفض أطباء مستشفيات قصر العينى وبولاق الدكرور ودور المسنين علاجه، وطردوه غير مأسوف عليه لأن شكله ورائحته «مقرفة» حسب وصفهم، ولم تأخذهم به رحمة، وتركوه وحيداً فى الشارع يلقى مصيراً قاسياً.
على وجه عم مصطفى ينتشر الذباب، يستغل عدم قدرته على رفع يده لإبعاده، كما تنبعث من حوله روائح كريهة، يدرك زواره ومساعدوه أن مصدرها هو الرجل المسن نفسه، لأنه لا يتحرك من مكانه ويقضى حاجته فى نفس المكان الذى يرقد فيه، ينطق مصطفى بكلمات متقطعة يكررها كثيراً: «أنقذونى.. عالجونى.. نيّمونى فى مكان نضيف، بتوع المستشفى طردونى.. حرام عليكم، بموت». بالقرب من التوك توك الذى يرقد فيه عم مصطفى، مقهى شعبى يقدم صاحبه للرجل مشروبات ساخنة منذ شهرين دون مقابل، رفقاً بحالته، يقول محمد عبدالله مرسى، 68 سنة: «الراجل على الحال ده بقاله شهرين، بيتعذب كل دقيقة وكل ساعة، كل المستشفيات رفضت استقباله، شباب الخير بالمنطقة لم يتركوه، ووقفوا بجواره حتى حملوه وذهبوا به لمستشفى قصر العينى وبولاق الدكرور أكثر من مرة، وفى مرة من هذه المرات قال له أحد أطباء القصر العينى: «رائحتك كريهة وأنا قرفان منك»، من يطلق عليهم ملائكة الرحمة رفضوا استقباله، ولم يكتفوا بذلك بل أهانوا المريض العجوز، حتى سيارة الإسعاف رفضت أن تحمله، وقال المسعفون إن «حالته ليست طوارئ ومش هنشيله وروحوا بيه للمستشفى أو دار رعاية ومش مسئوليتنا نشيله»، فأخذه مجموعة من شباب المنطقة فى سيارة خاصة، بعد أن جمعوا من بعضهم البعض ثمن أُجرتها، وذهبوا به لأكثر من مستشفى حكومى فرفضت أن تقبله حتى قال له الطبيب: «إحنا قرفنا منك وريحتك وحشة».
يتحدث مصطفى بصعوبة بالغة، يقول بصوت خفيض ومتعب: «قتلونى بالمستشفى وطردونى، وفضلت أقول لهم اعتبرونى أبوكم، أو أخوكم أو أى حاجة، أنا تعبان قوى حرام عليكم».. ويصمت عن الكلام لمدة دقائق من شدة المرض ثم يكمل بصوت متهدج: «أنا مقطوع من شجرة، كل ما أروح مستشفى يطردونى، والدكتور قال لى ريحتك وحشة وأنا قرفان منك، ورمونى على الرصيف، وولاد الحلال جابونى فى المكان اللى ماعرفش غيره فى فيصل، عاوزكم تعالجونى، وتنيّمونى فى مكان نظيف ودخلونى دار رعاية، أنا بموت فى اللحظة ألف مرة من الألم، ومابقتش طايق ريحتى، مش قادر أتحرك من مكانى، بطلب من المسئولين إنهم ينقذونى قبل ما أموت، أنا مواطن».[FirstQuote]
مصطفى عبدالكريم، البالغ من العمر خمسة وستين عاماً، كان يعمل بدولة ليبيا، فنى كهربائى، ثم جاء إلى مصر بعد إصابته بجلطه أفقدته الحركة جزئياً، وأصيب بقرحة فراش بسبب طول المدة التى قضاها فى التوك توك، وأصيب مجدداً بتجلطات وكسور فى قدمه، حتى قام أهالى المنطقة بالاتصال بمكتب وزير الصحة مرة أخرى واستطاعوا أن يُدخلوه أحد المستشفيات، لكنه لم يمكث به أكثر من 48 ساعة، وعاد إلى مقر إقامته فى التوك توك مرة أخرى، حسب وصف عادل محمد حنفى، سائق توك توك، الذى أضاف: «أجرينا اتصالات عديدة بمكتب وزير الصحة، ورد علينا أحد الأشخاص، وعندما أخبرناه بأن أطباء مستشفى قصر العينى وبولاق الدكرور طردوه، قال لنا سأطلب من الطبيب تقديم تقرير طبى عن حالة الرجل، ولم يقدم لنا أى حل، ثم ذهبنا به إلى أكثر من دار رعاية مسنين لترعاه نظراً لكبر سنه، فطلبوا منا مبلغاً كبيراً، يصل إلى 1200 جنيه كل شهر، قلنا لهم: «الراجل ده مقطوع من شجرة واحنا بنساعده لوجه الله وبنشتغل باليومية، فرفضوا، ثم ذهبنا به إلى دار أخرى فلم نجد أى موظفين بها، وذهبنا إلى دار ثالثة فى شارع مصدق فى الدقى فقالوا لنا سنرد عليكم خلال 21 يوماً».
يلتقط أطراف الحديث عبدالباقى شعبان، 38 سنة، سائق توك توك: ويقول: «من شهرين وعم مصطفى على هذا الحال، حتى أصيب بمرض قرحة الفراش، وأكله الدود، ورحنا بيه جميع المستشفيات قبل ما حالته تتضاعف بالشكل ده، لكنهم رفضوا يقبلوا الحالة لحد ما الجرح دوّد، وحسبى الله ونعم الوكيل، تعبنا من كتر اللف بعم مصطفى، ورحنا بيه مستشفى القصر العينى ودخلنا على قسم العظام وكشف عليه أحد الأطباء بالقسم، وطلب منا إشاعة، وبعد ما عملناها قال عنده كسر فى الحوض، وقال لازم يبقى معاه مرافق، يا إما تاخدوه وتمشوا، واحنا كلنا أرزقية على باب الله، وفاتحين بيوت، لكن رجعنا بيه تانى يوم، وجبنا له بدل المرافق اتنين وتلاتة من ولاد المنطقة، والمستشفى رفض يقبله، وقال لازم الدكتور اللى كشف عليه يأشّر على الورقة، وفضلنا منتظرين الدكتور وماجاش لحد ما قابلناه ورفض يمضى على ورقة حجزه فى المستشفى، فدخلنا لمديرة قسم العظام وكلمت الدكتور وماعرفش حصل إيه وماعملتش لينا حاجة، فتركناه فى المستشفى وانصرفنا حتى نضعهم تحت الأمر الوقع، وقلنا هما يحجزوه غصب عنهم، لأن عندنا عيال ومصالح، ويمكن يحسوا ويعالجوه، وفوجئنا تانى يوم، الساعة 7 الصبح بعربية جايباه، ونزلته فى المكان اللى بينام فيه فى التوك توك الصغير المعفن ده».