على بعد أكثر من 45 كيلومتراً من القاهرة تقع مدينة بدر، على طريق «مصر - الإسماعيلية»، هى إحدى المدن الجديدة التى خرج إليها المواطنون بحثاً عن شقة، بعيداً عن غلاء وزحام القاهرة، لكن ورغم قدم المدينة ظلت تفتقر لكثير من الخدمات، التى تضمن لأهلها حياة كريمة، وقبل شهر من الآن كان رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، فى زيارة للمدينة، وتحدث خلالها عن عدة قرارات لتحسين الأوضاع هناك، ولكن بعد هذه الفترة لم يُنفذ من تلك القرارات شىء.
فى وسط المدينة، بمنطقة يطلق عليها الأهالى منطقة الزلزال، وذلك لأن تلك البقعة كانت مأوى ضحايا زلزال 92، عاشوا فيها دون أدنى خدمات لعشرات السنوات، واستوطنوا المدينة الجديدة وبثوا فيها الحياة، حتى أصبحت على ما هى عليه الآن، ولكنهم كانوا ينتظرون زيارة رئيس الوزراء بفارغ الصبر، والتى ظهرت بشايرها، حين ظهر عمال الحى، يطلون منازلهم القديمة المتهدمة، ويرصفون شوارع منطقتهم التى تعد الأفقر فى المدينة، حسب رواية «محمد أبوالعلا»، الذى يقطن بها منذ هدم الزلزال منزله قديماً.
«محلب» الذى أوصى بضرورة تطوير المستشفى الجامعى بالمدينة، والوقوف على غلاء أسعار إيجارات المحال التجارية، وتوفير الخدمات فى مناطق محدودى الدخل، وزيادة خطوط المواصلات الداخلية وبين المدينة والقاهرة، لم ينفذ من أمره شىء، وبقى الوضع على ما هو عليه.. «محصلش جديد»، حسب «أبوالعلا»، الذى يعمل بالمستشفى الجامعى فرد أمن، ويقول إن المستشفى الذى يعمل به وهو المستشفى الوحيد بالمدينة ليس به أدوية أو أى أدوات طبية لعلاج فقراء المدينة: «حتى سلك الجراحة أهل العيان بيشتروه من بره»، مؤكداً أن المستشفى حاله لا يسر عدواً ولا حبيباً، وأن إشارة «محلب» إليه لتحسين أوضاعه لم تغير شيئاً داخله، بل إن سعر الكشف بداخله زاد 3 أضعاف.[FirstQuote]
ليس هذا كل الأمر، حيث يقول الرجل بملامحه العابثة: إن المستشفى ليس به أطباء وكثيراً ما يحضر المرضى ولا يجدون طبيباً يكشف عليهم، بخلاف إغلاق قسم الحضانات لسبب غير معروف، ودائماً الرد على أهالى المرضى: «مفيش حضانات» رغم وجود قسم متخصص لتلك الحضانات.
إلى جوراه تقف «عبير محمد» التى تؤكد أنهم تعلقوا بمرور «محلب» عليهم لمشاهدة حالهم، خاصة بعدما جاء عمال الحى، وبدأوا فى عملية النظافة وطلاء المنازل، لتغير ملامح الفقر الذى يعيشون فيه، ولكنه لم يمر عليهم، مشيرة إلى أزمة المواصلات سواء داخل المدينة أو منها إلى القاهرة، والتى تضعهم فريسة بين يدى سائقى «الميكروباص»، والتى ارتفعت أجرته إلى أكثر من 5 جنيهات، فى حين أن أوتوبيس النقل العام بـ«2 جنيه» ولكنه خطان فقط، خط لرمسيس وخط آخر لحدائق القبة، وهو ما لا تجده كافياً، خاصة فى ظل تزايد أعداد السكان بالمدينة.
وتقول «عبير» إن عدم وجود مواصلات داخلية وضع المدينة تحت سيطرة «التكاتك» والتى أظهرت المدينة فى شكل عشوائى، مؤكدة أن المدينة أصبحت تسيطر عليها العشوائية، التى لا تختلف شيئاً عن المناطق العشوائية فى القاهرة: «إحنا جينا هنا عشان نغير ونشوف بلد نضيفة جتلنا العشوائية لحد عندنا».
«المدينة كلها مشاكل»، تقولها «عبير» مؤكدة أن الحى وجهاز المدينة أكدا لهم وجود ميزانية خاصة لتحسين أوضاع «البلوكات» ولكن دون جدوى، مؤكدة أن المبانى تتهالك حتى السلالم تسقط بهم، وتنهار وهم عليهم: «فيه ناس عواجيز هنا والسلالم مابقتش تستحمل حد والواحد وهو طالع عليها بيحس إنها هتقع بيه ويموت»، هذا بخلاف الصرف الصحى «كل شوية طافح وحاجة آخر قرف».
على مقهى يتوسط منطقة «الخزان»، التى تعتبر وسط المدينة، يجلس أحمد على حسن، صاحب المقهى، يطالب بضرورة تقنين أوضاع أصحاب المحال، مؤكداً أن تلك المحال كانت فى الأصل شققاً سكنية، ولكن لعدم وجود محال فى تخطيط هذا الجزء من المدينة حولها أصحابها لمحال تجارية، معرضة طوال الوقت للإغلاق ومحددة من الحى ومجلس المدينة، مشيراً إلى أنهم طالما طالبوا بضرورة تقنين أوضاعهم.
ويقول «حسن» إن إيجار المحال التجارية فى «بدر» غالٍ، مشيراً إلى أنه قرأ فى الأخبار إصدار رئيس الوزراء عقب زيارته لقرار بحل الأزمة ولكنها حتى الآن لم تحل ولم يتغير فى الأمر شىء، مؤكداً أن «محلب» حين جاء للمدينة لم يزر تلك المنطقة التى تعد أكثر الأماكن المأهولة بالسكان فى بدر ويعتبرها أهل المدينة «وسط البلد»، قائلاً: «محلب جه افتتح المساكن ومشى من بره بره ماجاش شاف حالنا».
ويجد «حسن» من مجلس المدينة إهمالاً متعمداً فى الخدمات، مشيراً إلى أن المياه تقطع عن بنايات المدينة لمدة تصل إلى أربع وخمس ساعات، بخلاف عدم وجود إنارة كافية ليلاً فى شوارع المدينة مما يعرض المارة للسرقة وقطاع الطرق: «هنا مفيش حد بينزل من بيته بعد الساعة عشرة».
«الواحد ميأمنش يسيب عيل ينزل من الشقة بعد عشرة بالليل»، فالرجل الثلاثينى لا يجد فى شوارع المدينة المظلمة ليلاً أى أمان، ويخشى على أولاده من تلك الأماكن المظلمة، مشيراً إلى أن منطقة الإسكان المتوسط لا توجد بها أى خدمات أو حتى محل بيع بقالة: «مافيهاش الهوا»، ويؤكد الرجل أن زيارة «محلب» لم تغير شيئاً حتى خطا الموصلات متوافران فى المدينة من قبل زيارة «محلب»، الذى لا يجد فيها جدوى سوى «الشو»، فهو يرى أنها مجرد زيارة لتجميل المنظر ليس إلا.[SecondQuote]
داخل سيارته نصف النقل، يجلس «أبوبكر طافش» ينتظر تحميل إحدى الحمولات لنقلها للقاهرة حيث يقتات منها لقمة عيشة، ويقول بلهجته الصعيدية: إن المدينة تنقصها خدمات كثيرة، خاصة شوارعها التى تظلم ليلاً لتصبح مدينة أشباح، بجانب أن المواصلات بعد الساعة العاشرة تتوقف، ويصبح المواطن تحت رحمة سائقى الميكروباص، الذين يصفهم بـ«شوية بلطجية». لا يجد فى نقص الأدوية فى المستشفى الجامعى الأزمة الوحيدة ولكن يشتكى «طافش» من ارتفاع سعر الكشف بعد الساعة الواحدة ظهراً ويصل إلى 25 جنيهاً، وهو ما لا يقدر عليه فقراء المدينة: «افرض أنا تعبت بالليل ولا ابنى تعب ماقدرش أدفع الـ25 جنيه دول»، بخلاف أن الكثير من مساحات المدينة صحراوية ورغم ذلك لا توجد دوريات أمنية بشكل مستمر لتحقق الأمن بالمدينة.
وعن زيارة «محلب» يصمت «طافش» برهة ويعود ليقول إنه بالفعل سمع عن تلك الزيارة ولكن لم يجد لها أى أثر: «يمكن عشان كده الواحد مش فاكرها.. لو كانت أثرت أكيد كنت افتكرتها بسهولة».