«فريدة» تحدثكم من وسط البلد: نومة الشارع أرحم من الناس «السعرانة»
على أريكة صغيرة فوق رصيف شارع يوسف الجندى بمنطقة وسط البلد، وبملامح منهكة تغزو وجهاً عتيقاً، رسمته المأساة ولوّنه التشرد، تجلس فريدة محمد إبراهيم فى غير ارتياح، وتتكئ على يدها اليسرى فى محاولة بائسة لتخفيف آلام القدم اليمنى «مابعرفش أقعد عدل يا ابنى.. منه لله السواق اللى خبطنى وسابنى زى الكلاب وجرى»، الحادثة التى تعرضت لها لم تكن جديدة بل وقعت منذ 10 سنوات «عندى السكر وربنا أكرمنى بولاد الحلال يعملوا لى العملية، بس بعد تمن سنين تطلع غلط ففتحوا لى تانى وعندى سكر فالجرح مبيلمش».
السيدة المسنة التى تبلغ من العمر 75 عاماً تسكن فى الشارع مدة تجاوزت نصف عمرها تقريباً، بعد أن حصلت على الطلاق من زوجها فى مقابل تخليها عن كافة مستحقاتها المالية من نفقة ومؤخر زواج بجانب حرمانها من أعز ما تملك فى الدنيا وهو أولادها. وروت السيدة المسنة مأساة حياتها، حيث قالت: «عايشة فى غلب ونكد من ساعة ما اتولدت، وكان أبويا متجوز اتنين منهم أمى، ولما ماتت أمى وأنا صغيرة طلعتنى مرات أبويا من المدرسة عشان أخدمها وكانت بتتلكك على أتفه سبب وتضربنى»، وبسؤالها عن موقف والدها قالت هازئة: «هيعمل إيه يعنى كانت مسيطره على ودانه وتطلعنى كدابة وكان بيصدقها رغم إنى عارفة إنه بيحبنى قد إيه»، تصمت السيدة عن الكلام قليلاً ثم تقول «كنت متزوجة وجوزى كان شغال صايغ وكان عندى الشغالين بيخدمونى وعايشة ملكة أنا وزوجى فى بيت مستقل بينا، ولكن الظروف تغيرت ومبقتش مصدقه نفسى كأنى فى كابوس»، تقطب حاجبيها وتزم شفتيها وتضيف: «ملعون اليوم اللى اتجوزته فيه» ثم تقول بارتياح «أنا كده فى الشارع أفضل من بيته اللى كان سجن وكان بيعاملنى باحتقار، وعشان يذلنى طالبنى بأننا نعيش فى بيت عيلته، واتجوز عليّا ومعرفتش أعيش معاهم فطلبت الطلاق ووافق بس بشرط التنازل له عن كافة حقوقى ومنعنى من رؤية ولادى»، تتمخض العجوز وتتفل على الأرض» دا مبيرحمش حتى ما اكتفاش إنه يحرمنى من ولادى ويحرق قلبى عليهم، وقالى لو حاولتى فى يوم من الأيام تقربى من حد فيهم هدبحك، وطلّع عليَّا سمعة وحشة»، تتوقف عن الكلام لتلتقط أنفاسها ثم تقول فى حزن: «رحت علشان أعيش مع أختى لكنها لم ترحب بى وطردتنى، مكنتش عارفة إن الدنيا وحشة كده»، يعاودها ألم فى قدمها اليمنى فتتأوه بصوت خافت، وتتابع «دور المسنين كلها تقرف وزى الزفت وأسوأ من الشارع، شخط ونطر والعمال مبوزين ومكشرين بيدعوا علينا دايماً إن ربنا ياخدنا ونغور من وشهم»، لم تلبث فريدة فى إحدى دور المسنين أكثر من شهرين «لقيت رجلى واخدانى على هنا وربنا بيوقفلى ولاد الحلال»، وتابعت «قررت أفتح كشك بشارع يوسف الجندى بدل ما أمد إيدى وأشحت، حاولت أن أعيش، وفضل الناس يسرقوا البضاعة من الكشك فاضطريت إنى أنام هنا عشان أحمى الكشك من السرقة».
«ماليش غير الشارع يلمنى وعايشة فيه بقالى أكتر من 50 سنة من عمرى»، تقولها السيدة وهى تغالب الدموع التى تنحدر من عينيها، وبصوت يمتزج بالحزن والقهر تضيف «مجدى ابنى مات وهو عنده 10 سنوات بعد ما فريال ضرتى خلتنى أحط له السم بإيدى»، تقبض بيدها اليسرى على اليمنى «ياريت كانت اتقطعت مكنتش أعرف إنه سم»، يتحشرج صوتها وتنخرط فى البكاء «كان عيان وقالت لى إديله البرشامة دى فاديتهاله بسلامة نية فمات على طول»، وتضيف: «دى ست مش طبيعية قتلت زوجها بعد كده عشان تكوش على فلوسه وتورث كل حاجة»، ثم تتوقف طويلاً قبل أن تقول بانفعال: «وبنتى كبرت واتجوزت وفضلت أدوّر عليها علشان أعيش معاها ومعرفتش أوصلها لغاية ما خبطتنى عربية وركبت شريحة فى رجلى ومبقتش عارفة أدوّر عليها تانى».
تنبسط عضلات وجهها المنقبضة من الانفعال وتقول: «النومة دى بالنسبة لى قصر، بنام مرتاحة وباكل مرتاحة، وأهو أحسن ما أعيش مع ناس سعرانة، ولا يهمنى مال ولا يحزنون».