كلانا ميت، لأننا نعتبر الوجع ذكرى، ونرى المتعة خيالات، ولأننا فقدنا الأمل في أن نصبح جسدا واحدا بروحين يغلفهما الوجد وتحفهما السعادة، هرمنا في تذكر الأماني التي ضاعت وانتكاسات الحب والخذلان، وابتعدنا عن أصل الحكاية الجديدة المتسربلة بالآمال، كأننا أدمنا الآلام، وتعودنا على الخضوع للأحزان.
حبنا دائما مليء بالعتب، نحمل أنفسنا دائما جرما ونضغط على قلوب بعضنا إرهاقا وهما، نلوم أنفسنا على حاجات لا تنقضي، لا ذنب لنا فيها.. كنت أدخل معها في نقاش حاد لأني لم أكن جديرا بها!، أجبرها على البكاء كمدا، أثناء شرحي لها أني كنت السبب في تعاستها وياللعجب، عذابين داخل عذاب واحد، وفي المقابل تأخذني هي من تحت ذراعي كأني أنا المملوك الصغير الذي سقط إليها من باب شرفتها ليسعد ليلتها!.
الزمان لا يساعدني على احتوائها، ولكم لمت الزمان ولمتها!، هي أذنبت لأنها جاءت إلى قلبي على عجل وفي غير موعدها، هي مُلامة لأنها أمسكت بتلابيبي كالأطفال وتعلقت في رقبتي كالعاشقة!، أركن إلى أن وجودها في حياتي كان "مطبا" كبيرا، ووجعا كبيرا، وحبها ساعد الأوغاد أكثر على إضعافي واستغلال حاجاتي.
الذنب الكبير الذي آلم كل عاشقيّن في قصص الحب جميعها، أن الموعد لم يكن مناسبا للقاء، ذنب لا علاقة لهم به، لم يتعمدوه ولم يخططوا له، والحديث هنا عن عبثية القدر زندقة وشطط، يمكنك فقط، بعد أن تستشعر وجع "القدر"، أن تتحدث بهمس متحفظ عن "عبثية الحياة" التي خلفت لكما جرحا يطيبه "الانتحار وحده".
وهنا يخرج من صدرك شخصين كأنك تعاني "انفصاما حادا"، أحدهما يزجر: قل يطيبه "الله وحده"، لأنك سودوي الخيالات ومشوه الإيمان، وضعيف الهمة، ترى أن الخلاص أقرب بمغادرة الدنيا، لكنك تتناسى أن صاحب الدنيا حي لا تأخذه سنة، والآخر يطأطئ رأسه ويتمتم: كيف أتحدث بلهجة المؤمنين وأنا عاص، وأنا مرتكب للموبقات ليل نهار، وأنا أجعل محبوبتي متمنية للموت، دون أن أسعفها بتطهر أو أحفظ لها كرامتها بود موصول (وتكرار الأنا هنا يمثل احساسا بالتمزق لا احساسا بالعلو).
وأنا أقرأ حديث يدي الذي أصيغه الآن بين شخصيتين داخلي، أشعر بأنني فاقد القدرة على الكتابة والنطق، أستشعر أنني أفقد صوابي ببطء، لو كان لي صوابا أصلا، وأفقد وجاهتي، المفقودة أصلا منذ المولد، لأني ولدت، لو كنت تدري، في وسط تربى على ميزان القوة بلا صواب، وسط يحتكم فيه العدل لصاحب السلطان، وتحتكم فيه قوتك الذاتية لشهواتك، ويحتكم فيه الحليم لربه فيعود حيرانا!!.