«كريمة».. محت أميتها لتحقيق حلمها بالتوقيع في الكشف الانتخابي
أوقفوا عقارب ساعاتهم ليقف قطار العمر عند سن السابعة، وقت بداية تعلم الأشياء، وتحسّس المواقف، والاطلاع على لغة البشر، بعيداً عن كتب سُطرت فيها معلومات غير ملمين بتفاصيلها، فلا يقدرون على نطق أحرفها أو تقدير معناها، بالكاد يتعرّفون على الحياة من خلال خبرات ارتسمت على تجاعيد وجوههم وتشققات كفوفهم المرتجفة حين تمسك بالقلم والورقة، محاولين رسم ملامح مستقبل سنوات قليلة متبقية فى حياتهم، بالحصول على شهادات تفيد باجتيازهم عهود الظلام إلى رحابة النور. فى صراع مع الزمن، يبدو أنهم، رغم تجاوز أعمارهم الستين بسنوات، لا يلتفتون إلى ما فاتهم، يحاولون عبور جسور العلم بعد أن ارتمت عليهم الحياة بجهلها، ولكل منهم علته، فهذه امرأة فاتها قطار العمر والتعليم، وكانت بالأمس القريب أمّاً ثم جدّة، فبحثت عن عائل من نوع آخر، وكان الكتاب الذى استندت إليه من غدر الدهر بعد انعزال الأبناء عنها، وانطوت على نفسها منغمسة فى عبادات كانت محرومة منها فى ظل أميتها السابقة، وهذا رجل كهل خاض تجارب قاسية مع الجهل، كان رب أسرة يتخبّط فى مشقات الحياة، يتوارى وراء عضلات يستخدمها لكسب الرزق وإنجاب أبناء يكملون المصير نفسه ويتخذون الجهل ميراثاً.
تغط فى سباتها العميق حتى أفاقت على صوت ابنها «خالد» يحثها على الاستيقاظ للإدلاء بصوتها قبل انتهاء فرصتها فى يوم الاقتراع بالانتخابات الرئاسية السابقة، هرولت «كريمة مصطفى» بسعادة الأطفال، رغم تجاوزها الستين بقليل، قصدت لجنتها الانتخابية، وبمجرد أن توقفت أمام دورها، جاءها صوت من الخلف: «هتمضى ولّا تبصمى يا حاجة؟!»، فأجابت بإيماءة من رأسها: «أنا بابصم يا باشا»، وأمام الكشف الانتخابى، أشارت أمام الرمز الانتخابى وعيونها لم تُرفع قّط من الأرض، وقلبها يحدثها بضرورة التوقيع فى الكشف الانتخابى فى المرات المقبلة.
رغم مرور الموقف، فإن «كريمة» شعرت بغصة لم تمحُها الأيام التالية: «لما أروح أى حتة، واطلع الختم علشان أبصم باكون مكسوفة»، ترنو السيدة الستينية إلى الخلاص من وصمة الجهل التى لازمتها سنوات مضت، وربما كانت ستكمل معها سنواتها المتبقية لولا روح التحدى التى تملكتها: «أحفادى بيطلبوا منى أفهمهم أى جملة، مش باعرف»، الجدة تمكنت من كفاح سنوات مضت أن تحث أولادها الثلاثة على الحصول على شهادة يواجهون بها الأيام: «سيد معاه معهد كهرباء ضغط عالى، ومحمد دبلوم صنايع، وعاطف أخرس بس دخلته مدرسة داخلية فى حلوان، ولما اتعلم علم أولاده».
«كان نفسى أنطق وأكتب وكمان أقرا قرآن»، قالتها «كريمة» وقلبها يعتصر حسرة، مؤكدة أن فرصتها أفضل من أشقائها الذين يعيشون فى محافظة الفيوم ولم ينالوا حظاً من التعليم: «اخواتى اللى لسه عايشين نصهم أميين، فى بلدنا عيب الست تتعلم، خاصة لو كبيرة فى العمر أو عندها أحفاد».