الشحات الجندي في حوار لـ"الوطن": تجديد الخطاب الدينى فريضة حتمية
قال الدكتور محمد الشحات الجندى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إن تحقيق السلم الاجتماعى من الثوابت الدينية، فلا يجوز باسم التجديد إحداث شرخ أو فرقة بين صفوف الأمة، مؤكداً أن التجديد فريضة حتمية لإزالة الفكر الشيطانى الآثم، مع مراعاة اختلاف العصر ومتطلباته فى عملية التجديد.
وأشار «الجندى» إلى أن التجديد ليس حكراً على المؤسسة الدينية، وليس أدل على ذلك من عقد الأزهر عدة جلسات مع المثقفين والمفكرين لوضع آليات لتجديد الخطاب الدينى، وإلى نص الحوار:
لا يجوز إحداث شرخ أو فرقة بين صفوف الأمة باسم التجديد.. وما نشهده الآن ليس اختلافاً وإنما تعصب من أجل مكاسب مادية
■ ما الثوابت التى يستحيل الاقتراب منها عند تجديد الخطاب الدينى؟
- تجديد الخطاب فريضة حتمية فى ظل ما تتعرض له المجتمعات الإسلامية من ممارسات وأفكار مغلوطة على أرض الواقع وتتمزق بها الأوطان الإسلامية من خلال فكر شيطانى آثم لا يرعى للدين حرمة ولا يقدر قيمة النفس الإنسانية، فحماية النفس من مقاصد الدين الإسلامى، ولا يستقيم بنيان المجتمعات دون المحافظة على النفس الإنسانية، وهناك نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة لا مساس بها عند التجديد، وأرى أن السلم الاجتماعى من الثوابت، فلا يجوز باسم التجديد إحداث شرخ أو فرقة بين صفوف الأمة وجعلها لقمة سائغة فى يد أعدائها، ولا يجوز أن يؤدى التباين فى وجهات النظر لشق الصف، فهذا من المحظورات القطعية، فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (من أتاكم وأمركم جميعاً على قلب رجل، فأراد أن يفرق جماعتكم، فاضربوه بالسيف كائناً من كان)، فوحدة الأمة خط أحمر، ولا يصح أن نأخذ التجديد لتعظيم أيديولوجية أو مذهب أو تيار ولا بد من مراعاة أدب الاختلاف.[FirstQuote]
■ ماذا عن الطائفية والمذهبية فى الخطاب الدينى؟
- لا بد من القضاء على المذهبية والطائفية فى الخطاب، لأنها أمر خطير يضرب الأمة الإسلامية، والرسول لحق بالرفيق الأعلى والأمة على قلب رجل واحد، على الرغم من تباين وجهات النظر، ومسألة الإقصاء والتعصب من الأمور المحرمة قطعياً فى تجديد الخطاب الدينى.
■ وماذا عما جاء عن الرسول بأن الاختلاف رحمة؟
- حالياً لا يوجد اختلاف، بل تعصب ونفوذ وزعامة وصراع وقتال من أجل مكاسب مادية وليس اختلافاً.
■ ما المتغيرات التى يمكن التعرض لها وتناولها عند تجديد الخطاب؟
- لا بد أن نفطن لبعض المتغيرات عند التجديد، ومنها اختلاف العصر عن ذى قبل، وما كان يصلح فى العصور السابقة لا يصلح حالياً، ولا بد من تنقيح وتنقية كتب التراث، فلا يصح نسفها كما يردد البعض، وإنما نأخذ منها ما يتماشى مع واقعنا، ولا يجوز الطعن فى الأئمة والفقهاء العظماء، فهم اجتهدوا وتعاملوا مع متغيرات عصرهم، ولنا الحق فى أخذ ما يتوافق مع المستجدات التى طرأت علينا والاجتهاد فى القضايا العصرية، وعلينا أخذ مصلحة الأمة فى الاعتبار.
■هل هناك منهجيات وكتب معينة يمكن الرجوع لها عند تجديد الخطاب الدينى أم لا؟
- نعم، توجد كتب كثيرة يمكن الرجوع إليها كمراجع فى مسألة التجديد، مثل كتب المقاصد الشرعية ككتاب «الموافقات» للشاطبى، وكتاب «تحرير الأحكام فى مصالح الأنام» للعز بن عبدالسلام، وكتب القواعد الفقهية، مثل «الأشباه والنظائر» لابن نديم الحنفى، وكتاب «الأشباه والنظائر» لابن السيوطى الشافعى، وكتاب «مقالات الإسلاميين» لأبى الحسن الأشعرى، وأيضاً نحن فى حاجة إلى آراء المعتزلة، فالعقل ذو أهمية حالياً، لأن معظم الثقافات تقوم على العقل وتحديداً الثقافة الغربية، والقرآن أعلى قيمة العقل، ويمكننا الاستعانة بكتيبات ابن رشد، فهو فيلسوف وفقيه ويعلى من قيمة العقل وله كتابات، مثل: «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، و«فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال».
■ هل من حق أى فرد أن يتطرق لتجديد الخطاب الدينى؟
- إذا كان يملك الأدوات ومؤهلاً لذلك فلا مانع، وأما مسألة تصدى كل من قرأ كتابين لمسألة التجديد، فهذا نكبة وكارثة.وتجديد الفكر والفقه فى الدين يجب أن يضطلع به من هو مؤهل له، ممن تسلحوا بأدواته، فقد اتسع الخلل فى الفكر وتعطل الاجتهاد لكثرة ما تواجهه الأمة والأوطان من أزمات ومشكلات.[SecondQuote]
■ ما السمات والمؤهلات التى يجب توافرها فى القائمين بتجديد الخطاب الدينى؟
- لا بد من توافر مؤهلات فيمن يقوم بالتجديد، وفى مقدمتها التخصص ودراسة العلوم الشرعية على يد متخصصين فى الأزهر الشريف وأن يكون من الراسخين فى العلم.
■ هل التجديد حِكر على المؤسسة الدينية؟
- التجديد ليس حكراً على المؤسسة الدينية بدليل دعوة الأزهر للمفكرين والمثقفين من مختلف الاتجاهات لبحث آليات تجديد الخطاب الدينى فى عدة جلسات فى رحاب المشيخة بحضور الإمام الأكبر، بل طالبهم الأزهر بإبداء مقترحاتهم وآرائهم فى التجديد لوضعها فى عين الاعتبار، وهناك مفكرون يستمع الأزهر لهم ويأخذ بآرائهم، وليسوا أزهريين، مثل الدكتور أحمد كمال أبوالمجد والدكتور مصطفى الفقى، والدكتور محمد كمال إمام، وغيرهم كثيرون ولا مانع من الاستفادة بتصورات عدد من المثقفين، أمثال الشاعر فاروق جويدة.
■ بعض مشايخ السلفية، أمثال الشيخ محمد حسان أعلنوا عن تقديم برامج ومحاضرات عن تجديد الخطاب خلال شهر رمضان؟
- لدينا قاعدة شرعية تقول: «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، والتيارات الدينية أضرت بالخطاب الدينى وألصقت به الطائفية والعنصرية والحزبية والتشدد وابتعد عن الوسطية والتسامح، والتجارب الماضية تقول إن التيار السلفى أساء للخطاب الدينى، ومن ذلك على سبيل المثال فتاوى وآراء التيار الدينى مثل ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية، وآراء محمد عبدالمقصود، ومدير مكتب القرضاوى، وغيرهم كلها تصل بالأمة إلى القتال والتناحر والانهيار.
■ ما المؤسسات التى يمكن الاستعانة بها عند تجديد الخطاب الدينى، والإسهام بدور فى هذا الصدد؟
- طبعاً وزارات مثل الثقافة، والتعليم، ووسائل الإعلام، والمحكمة الدستورية أيضاً لها آراء مستنيرة فى هذا الشأن ويمكن الاستفادة من اجتهادها التراثى، بالإضافة إلى كتابات الشيخ محمد عبده، ورفاعة الطهطاوى، ومصطفى محمود، وبعض كتابات زكى نجيب محمود، يمكن الرجوع إليها.
■ ما الأساليب التى يجب أن تتبع مع نتاج الخطاب الدينى الذى سيتوصل له العلماء والمفكرون، هل سيتم تطبيقه وإنجاح وصوله للمواطنين ونشره بينهم؟
- لا بد من تهيئة الرأى العام بثقافة ناضجة تتخلص من الآفات الموجودة فى الوقت الحاضر، ولا بد من تكاتف كل الجهود والعمل بروح الفريق بالتنسيق بين كل مؤسسات وهيئات الدولة وعلى رأسها الأزهر الشريف.
■ ما المقصود بالتجديد؟
- التجديد يعنى إحياء جوهر الدين والعودة به إلى منابعه الأولى، معرفة وفهماً وسلوكاً، بحيث يتجلى أثره فى دنيا الناس وفى واقعهم الحياتى، فيكون منظماً لشئونهم، مصححاً لسلوكياتهم فى إطار الثوابت والمقاصد الشرعية، ونصوص الشرع جاءت لتحقيق صالح الناس وإعمار الكون وقدمت نموذجاً للشخصية المسلمة التى أضافت للإنسانية ونهضت بالدنيا وفق صحيح الدين.[ThirdQuote]
■ ما المؤشرات الدالة على أهمية التجديد؟
- مما يؤكد حيوية هذا التجديد ما آلت إليه أوضاع العالم الإسلامى فى كل المناحى الدينية، فقد شاعت الأمية الدينية والتخلف فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما يستدعى التجديد فى الدين مصداقاً لحديث الرسول: «يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها».
■ ما ضوابط الخطاب الرشيد؟
- الخطاب الدينى الرشيد ينأى عن التحزب ويقوم على المنهج الوسطى المعتدل والرفق واللين وينبذ التطرف والعنف ويدرك الواقع، مع التركيز على منظومة الأخلاق، ولا بد أن يركز الخطاب على قبول الآخر وجمع الشمل وإعلاء المصلحة العامة والانتماء للدين والوطن بلا تفرقة بينهما، وأن يركز على تصحيح هذه المفاهيم، لأنه من هذه المغالطات أن نجد الممارسات المأساوية التى تعيشها الأوطان الإسلامية.
■ ماذا عن دور التيارات الدينية فى مسألة التجديد؟
- للأسف، تصدت جماعات غير قادرة ولا مؤهلة لفرض الإسلام المغلوط باعتبار أنه الإسلام الحق، بسبب عدم إدراكهم فقه العصر والواقع وعدم الإلمام بالمتغيرات.