أهالى "الشيخ زويد" يروون لحظات الرعب فى "ليلة الموت"
قضينا ساعات الليل وكأنها دهر، وأرهقنا انتظار الصباح دون أن يأتى، حرارة القصف تشتد، الكهرباء مقطوعة، ومياه شرب غائبة، والمنطقة خارج تغطية شبكات الاتصالات، والظلام الدامس المخيف يغطى أرجاء المكان، والجميع يدعو الله وكُل يطلب من الآخر أن يسامحه. بوسيلة أو بأخرى تصل الأخبار، لقد دخل الإرهابيون القرية ثانية، والآن هم على أبواب المدينة، اختفوا فى أحد البيوت. الطائرة راقبت تحركاتهم وهى الآن تقصفهم، صوت الانفجارات يهز المكان، ويزداد معه نحيب النساء وصرخات الأطفال، يحيط الرجل زوجته وأولاده، ودموعه هو أيضاً تنهمر، لكن يحاول التماسك ليعطيهم الأمل فى الحياة.
الزوجة: «ألم أقل لك منذ فترة يجب أن نغادر المكان؟»، فيرد الزوج عليها: و«أين نتجه؟ فلا يوجد مكان نتوجه له»، ثم ينتفض بعد دقائق، ليخبر أطفاله وزوجته بأنه عندما يطلع النهار، سوف يرحلون إلى العريش، فإنها أفضل حالاً ولا يوجد بها مسلحون يتجولون فى الطرقات ولا الطائرات تقصفها.
عند شجرة «الكينيا» بوسط «الشيخ زويد» تجمع المئات من أهالى الشيخ زويد ورفح، يبحثون عن سيارات تقلهم إلى العريش، ومنها إلى أى مكان آخر يبعدهم عن الإرهابيين، أو أماكن القصف. وقالت «أم محمد»: كلما أتت سيارة «ميكروباص» أو «تاكسى»، أو حتى «نصف نقل» تسابق عليها الناس، لكن السائقين يقولون لهم «الأجرة 100 جنيه»، فترد النساء: «الأجرة العادية 6 جنيهات، خذ 10 جنيهات فنحن لا نملك أموالاً، لقد تركنا البيوت والأثاث، ونريد أن ننجو بأنفسنا»، لكن طمع السائق يعميه عن توسلات النسوة، معتبراً أن ربحه سيكون باستغلال معاناة الفارين من جحيم الموت.
وأضافت: أخذت الأوراق المهمة ومبلغاً مالياً كنت أحتفظ به، ووضعتها فى «الصدرية»، وخرجت أحمل طفلاً وأجر الآخر، ثم ركبت سيارة نصف نقل أوصلتنى إلى موقف السيارات بالعريش، الطريق كان به زحام شديد، لكن لم يعترضنا أحد، والآن أنا عند أحد الأقارب، ولا أدرى إلى متى. «غنمة ودجاجتين وأنبوبة غاز، ومرتبتين و3 بطاطين وكيس أسود كبير به ملابس الأولاد».. هذه هى حصيلة تعب السنين، كما قال أحد الفارين من الموت.
وأضاف محمد أبوقاسم: لقد اشتد القصف على أماكن اختباء الإرهابيين، وقد اختفوا فى كل مكان، والطائرة تلاحقهم أينما ذهبوا، مكبرات الصوت تنادى فى المساجد «على أهالى أبوطويلة وأبوزرعى التوجه إلى كمين أبوطويلة، فالمنطقة ستتعرض للقصف».
أكثر من 200 مواطن بأطفالهم ونسائهم يهرعون إلى الكمين، لكن الضابط المكلف قال لهم: عودوا إلى منازلكم فإن القصف انتهى، فيما دفعهم خوفهم إلى التمهل فى العودة إلى المنازل. «سيارات الإسعاف وصلت إلى المستشفى بعد استغاثات الأهالى»، هكذا أكد شهود عيان، موضحين: وصول 8 سيارات إسعاف، لنقل القتلى والجرحى جراء القصف على أبوطويلة وأبوزرعى، حيث قُصف منزل سفيان أبوراشد، أحد أبناء القرية، وماتت ابنته، وأصيب 5 من أفراد أسرته، معظمهم فى حالة حرجة.
الأهالى يعودون من جديد إلى بيوتهم، فى انتظار خروج النهار، لكن القصف يعاود من جديد، وحالة الهلع والخوف تعود.
عبدالحكيم رفاعى قال: لقد جاءتنا معلومات عن أن المكان سيتم تدميره بالكامل، لأن الإرهابيين استوطنوه، لكن بعد ساعتين من الرعب والترقب هدأت الأمور، والجميع أصر على مغادرة المكان فى الصباح الباكر «ليس كل مرة تسلم الجرة».
كمال أحمد، أحد أبناء الشيخ زويد، قال: «من شدة القصف خرجت من المنزل، ووقفت بجوار الشارع، وإذا بثلاثة مسلحين يمرون، فرجعت إلى أحدهم خشية أن أكون قد عرفته، لأنه لم يكن مقنعاً، لكنه ليس من أبناء المنطقة، فاستجوبنى، وسأل عن اسمى وعائلتى، وطالبنى بألا أخرج من البيت، وهو يقول: أغلق عليك باب دارك».
وأضاف «كمال»: «هددنى المسلح بأننى إذا خرجت سيقتلنى، ووجه سلاحه صوب صدرى، فاستجبت له ودخلت المنزل، واتصلت برقم الطوارئ، وأخبرتهم بأن هناك 3 مسلحين تسللوا إلى داخل المدينة».
«أبومصطفى» قال إنه أخذ زوجته وأولاده إلى العريش يوم الخميس، بعد خروج الإرهابيين من الشيخ زويد وفشل مخططهم فى الاستيلاء على المدينة، لكن تناقل البعض أخباراً تفيد بأنهم سيعاودون لاحتلال المدينة مرة أخرى، ولن يخرجوا منها، وسيتحصنون وسط الأهالى، والتوقعات تشير إلى حدوث مجزرة بين القوات الأمنية والإرهابيين.
وأضاف أن أحد الضباط بمعسكر أمن الشيخ زويد قال لأحد الأهالى: ما جعلنا لا نواجه الإرهابيين داخل طرقات وتجمعات المدينة الخوف على المدنيين، لكن لو تكرر الوضع فلن يخرج إرهابى واحد سليماً من حيث جاء.