على «حصيرة» مهترئة فى غرفة صغيرة بعشش السكة الحديد فى بولاق الدكرور، جلست «سيدة على محمد»، تبكى حالها وهى تفتش فى مجموعة أوراق قديمة علها تجد ورقة تثبت وجودها على قيد الحياة، فرغم عمرها الذى تجاوز الـ70 عاماً، إلا أنها لم تفقد الأمل وطرقت جميع الأبواب لاستخراج شهادة ميلاد لتحصل على حقوق كثيرة حرمت منها طيلة حياتها.
«بتصعب عليا نفسى لما أحس إن العمر بيجرى بيا ولسه الدولة مش معترفة بيا، لا فارقة معاهم حية ولا ميتة»، هكذا عبرت «سيدة» عن مأساتها، فمنذ أكثر من 35 عاماً جاءت السيدة السبعينية من محافظة أسيوط بصحبة زوجها إلى القاهرة واستقرا فى بولاق الدكرور، وبعد أن فارق زوجها الحياة، لم تستطع أن ترثه لعدم وجود أوراق تثبت هويتها، أو تثبت أنه زوجها: «لو الحكومة جت وكلفت نفسها هتلاقى أغلب الناس الكبيرة اللى جت من الصعيد ساقطين ومامعهمش إثبات لوجودهم». «سيدة» ليست الوحيدة التى لا تمتلك شهادة ميلاد فى عشش السكة الحديد، فحفيدتها أميرة ممدوح، 5 سنوات، لا تملك شهادة ميلاد، ولا يعرف والدها سبب تعنت المسئولين فى تسجيل ابنته رغم أن إخوتها حصلوا على شهادات ميلاد: «ستها وقلنا ماشى الدولة مستكترة عليها يعترفوا بيها، طيب بنتى ذنبها إيه وهتدخل مدرسة إزاى ولا اللى زينا مش من حقه أى حاجة فى الدنيا»، حسب ممدوح جابر.
أما «ناريمان»، كما يناديها جيرانها، أو «فتنة» كما يعرفها أولادها، فلا تعرف من تكون، فهى الأخرى لا تملك شهادة ميلاد، أو أى إثبات شخصية: «اللى زيى مالوش دية، ده أنا لو ماشية جنب مظاهرة واتقبض عليا أو عربية خبطتنى ولا حد هيعرف عنى حاجة»، قالتها ناريمان، التى حاولت تكراراً الذهاب إلى السجل المدنى، لإثبات هويتها دون جدوى: «فيه بنت لقيتها فى الشارع وربيتها وسط عيالى هى كمان معندهاش أى إثبات شخصية.. طب دى لو عاوزة أجوّزها وأسترها أعمل إيه؟».
من جانبه أكد المقدم شريف جاد، مدير إدارة الأحوال المدنية، أن قطاع الأحوال المدنية بالعباسية يستقبل جميع شكاوى المواطنين سواء ساقطى القيد أو الذين يحتاجون إلى استخراج شهادة ميلاد وبطاقة رقم قومى: «إحنا فى إدارة خدمة المواطنين عمرنا ما رجعنا مواطن عايز يثبت وجوده».