أثار قانون مكافحة الإرهاب الذى أقرته الحكومة، الأسبوع الماضى، ورفعته لرئيس الجمهورية لإصداره، موجة غضب وعاصفة من الجدل والخلاف بين الصحفيين وبعض الحركات الثورية والأحزاب، الذين أعلنوا رفض القانون، ووصفت نقابة الصحفيين بعض مواده بأنها تكبل الحريات وتقيد الصحف ووسائل الإعلام، وبه عوار دستورى واضح، وتركزت معارضة الصحفيين على المواد (26، و27، و29، و33، و37) وقالت إنها تعيد الحبس فى قضايا النشر بالمخالفة للدستور، وتجعل من السلطة التنفيذية رقيباً على الصحافة وحريتها، وتفتح الباب أمام عودة الرقابة على الصحافة والإعلام عبر نصوص قانونية تضرب حرية الصحافة فى مقتل، على حد قول النقابة.
وأعلنت بعض الأحزاب والمنظمات الحقوقية والحركات الثورية رفضها للقانون، مؤكده أنه رغم الإرهاب لا بد أن يواجه بشدة وبحزم لأنه يعرض مصر للخطر، ومصر تحتاج عدالة ناجزة، إلا أن القانون بشكله الحالى يمنح حصانة زائدة للجهات الأمنية، ويقيد الحريات، وقال خبراء فى القانون الدستورى إنه تجاوز المبادئ الدستورية، وكان يجب عرضه على المحكمة الدستورية، فيما قالت أحزاب وحركات أخرى إن هذا القانون استثنائى، وهو مهم فى المرحلة الحالية، التى تواجه فيها مصر إرهاباً منظماً، يجب مواجهته بشدة، مؤكدة أن القانون الجديد سيكون رادعاً لجميع الجماعات التكفيرية، التى تريد نشر الفوضى والدمار فى البلاد.
«الوطن» ترصد مراحل إعداد القانون وردود الفعل الرافضة والمؤيدة له، ومدى مطابقته للدستور، والمواجهة المتوقعة بين الحكومة والقوى السياسية حوله فى السطور التالية.
شكلت الأحداث الإرهابية التى شهدتها مصر فى الفترة الأخيرة ضغوطاً شديدة على الدولة، التى لم يكن بوسعها سوى اللجوء لإعداد تشريعات تسهم فى مواجهة جرائم الإرهاب، وكانت البداية، عندما أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى قانوناً للكيانات الإرهابية، الغرض منه تحديد الكيانات الإرهابية التى تدعم وتمول الإرهاب.
ووفقاً للواقع، فقد نجحت الدولة فى تطبيق القانون ونصوصه داخل الجامعات المصرية، واستطاعت من خلاله فصل العديد من أساتذة الجامعات المنتمين لتنظيم الإخوان الإرهابى، إلا أن مواد القانون فشلت فى تحديد هوية الإرهابى والجماعات الإرهابية، فما كان من الحكومة إلا أن طلبت من وزارة العدل ولجنة الإصلاح التشريعى إجراء تعديلات على قانونى العقوبات والإجراءات الجنائية، لتغليظ عقوبات جرائم الإرهاب، ومنها قطع خطوط الكهرباء والإتلاف عن عمد للمرافق العامة، لكن التعديلات خلال مناقشتها فى ديسمبر الماضى، داخل لجنة الإصلاح التشريعى، اتضح أن هناك تضارباً شديداً حولها، ما اضطر اللجنة إلى إرجاء الموافقة عليها وإحالتها مرة أخرى إلى وزارة العدل لمزيد من الدراسة والتدقيق، وأمهلتها ٢٠ يوماً للرد.[FirstQuote]
وواجهت وزارة العدل فى تلك المرحلة حالة من التخبط الشديد، بدأت مع مرض المستشار محفوظ صابر، وزير العدل السابق، وإسناد أعمال الوزارة لفترة قصيرة إلى المستشار إبراهيم الهنيدى، وزير العدالة الانتقالية مقرر لجنة الإصلاح التشريعى، الأمر الذى أرجأ الانتهاء من التعديلات، وبعد عودة «محفوظ» لعمله، طلب منه المستشار «الهنيدى» الانتهاء من التعديلات على قانونى الإجراءات الجنائية والعقوبات، إلا أن ذلك لم يغير من طبيعة الأمور شيئاً، ما دفع الأمانة الفنية لـ«الإصلاح التشريعى» إلى عرض إعداد مشروع قانون متكامل للإرهاب على مجلس الوزراء، فوافق وطلب منها سرعة الانتهاء من مسودته لمناقشتها، ووفقاً لورق العمل فقد كان هناك اتجاه لضم بعض مواد قانون الكيانات الإرهابية إلى مشروع قانون مكافحة الإرهاب، من أجل قانون متكامل بدلاً من قانونين.
فى هذا التوقيت، كانت وزارة العدل بدأت تسرع فى إعداد مشروع قانون للإرهاب، دون التنسيق مع «الإصلاح التشريعى»، إلا أن الأخطر من ذلك أن غالبية مواد المشروع التى أعلنت وزارة العدل إعداده، تمثل مجمل الأوراق والدراسات التى أعدها الدكتور مفيد شهاب، وزير الشئون البرلمانية والنيابية الأسبق، حول قانون الإرهاب فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولم يذكر أى ممن استعانوا بهذه الأوراق فى «العدل» وأدخلوا عليها بعض التعديلات الدور الذى لعبه «شهاب» لإعداد هذه الأوراق التى تكلفت ملايين الجنيهات آنذاك. وكعادة الحكومة، فقد أرسلت وزارة العدل، نتيجة لضغوط الدولة، مشروع قانون مكافحة الإرهاب الذى يضم «٥٢» مادة إلى مجلس الوزراء، الذى أرسل بدوره المشروع إلى «الإصلاح التشريعى»، لبدء مناقشته وإجراء حوار مجتمعى حوله، وما إن بدأت اللجنة فى توزيع المشروع على أعضائها، وإرسال مخاطبات كتابية لبعض الجهات للاستماع إلى وجهة نظرها، إلا ووقع حادث اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام، وتلته العمليات الإرهابية فى سيناء، الأمر الذى استدعى من القيادة السياسية التشديد على ضرورة إصدار قانون الإرهاب فى أقرب وقت، وهو ما أربك الحكومة، ودفعها إلى التدخل لإجراء بعض التعديلات المشددة على بعض مواد مشروع القانون، كما هو الحال فى المادة «٣٣» الخاصة بنشر الأخبار والبيانات غير الدقيقة، فضلاً عن تكليف «الإصلاح التشريعى» بإجراء بعض التعديلات الأخرى قبل إرساله فى صورته النهائية إلى مجلس الدولة لمراجعته.
ومن أكثر مواد القانون التى أثارت الخلاف مادة «٣٣» التى تنص على أن «يُعاقب بالحبس الذى لا تقل مدته عن سنتين كل مَن تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أى عمليات إرهابية، بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة فى هذا الشأن»، وهى المادة التى تم إعدادها من قِبل مجلس الوزراء وإرسالها ضمن مواد مشروع القانون إلى «مجلس الدولة».[SecondQuote]
وعلمت «الوطن»، من مصادر مطلعة، أن هذه المادة أُضيفت بعد نشر أخبار غير دقيقة فى بعض المواقع الإخبارية عن حصيلة شهداء العمليات الإرهابية فى سيناء، خلال الذكرى الثانية لثورة 30 يونيو.
أما المقترحات التى أعدتها «الإصلاح التشريعى» فتم عرضها على مجلس القضاء الأعلى، إلا أنه رأى أن بعضها غير دستورى، وبعضها غير ملائم للتطبيق، حيث رفض مقترح إنشاء محاكم متخصصة للإرهاب لسرعة الفصل فى قضاياه أسوة بالمحاكم الاقتصادية، وعلل رفضه بأن هذا الأمر سيجعل تلك المحاكم وكأنها قضاء متخصص بديل عن القضاء العادى، واقترح بدلاً من ذلك إنشاء دائرة أو دائرتين بكل محكمة للفصل فى قضايا الإرهاب.
كما رفض «القضاء الأعلى»، دون إبداء أى أسباب، المقترح الخاص باختصار مدة الطعن فى قضايا الإرهاب من ٦٠ يوماً إلى ٤٠ يوماً.
ووفقاً للمصادر، فمن المتوقع الطعن بعدم دستورية بعض مواد العقوبات الواردة فى مشروع «مكافحة الإرهاب»، حال صدوره بشكله الحالى، وأرجعت المصادر السبب فى ذلك إلى استعجال الحكومة إصدار القانون لمواجهة جرائم الإرهاب، فضلاً عن أن القانون لم يحظَ بحوار مجتمعى شامل، رغم أنه من القوانين المهمة والمؤثرة فى المرحلة الراهنة.