يمزقها الرحيل لكنها لا تبكي، وكأنما خرجت لتوها من أتون الوجع بلا ذكريات، خائبة الرجاء ومطأطأة الأماني، تتلفت حولها علها تجد من ريحه قليلا قبل الوداع الكامل.. تفتقده كثيرا، حتى قبل أن يختفي عن ناظريها، وتحبه كثيرا جدا لكن الحب لا يكفي في زمن الخيانة والشهوات، انتحبت فجأة ومضت صامتة، وهو لا يلوي على شيء إلا متابعة طيفها الزاحف إلى بعيد.
ابتعد ملتحفا خيبته، وعاد إلى حيث وحدته.. اتجه إلى صورتها الوحيدة ليخاطبها بتاريخهما معا، فخرجت إليه منها تحدثه عن انقطاع الوصل أبدا، ووقوع البلاء السرمدي، عبس وتولى ونفض عن روحه دموع اليوم كاملة، قبل أن يسقط على ظهره، وسط الوسادات، يحتضن فيها بقايا العبير الراحل.
كل شيء يمر على صدره مرورا بطيئا غبيا، يستشعر حرقة الثواني في البعاد، ويتذكر كم بكيا معا وضحكا معا ولفتهما الشوارع والحاجات، كم مرة تلحفا الأمل معا، وعذبتهما الظروف معا، وابتسما للوجع.. هنا أمام صورتها يمر كل شيء، يؤلمه الحنين رويدا فيطرد عن نفسه روح الاشتياق الشريرة، ويحتمي، خاضعا كالقطط، بكهف صورتها.
يكتب عنها في مناماته هواجسا لا تذيبها الشهوة.. نومه قلق وصحوه أكثر ازعاجا بدونها، يؤرقه فنجان القهوة الذي نسى أن يتناوله من يدها قبل الوداع الأخير، يعذبه أنه خسر، ضمن خسائره الفادحة، تذوق آخر قطع السكر التي لمستها كفها، ينتحر في صمته، وينتحب في سكون كالأسماك، ويعاود الكرة كل مساء.
هي هناك كما كانت، ممزقة، تخفي دمعتها عن الجدران وعصافير شرفتها، تبكي سرا أسفل الوسادة، وتُذكِر طيفه أنها لم تخطئ بحقه يوما، تشدد عليه أنها صانت كل عهود المحبة، لكنه أغفل احتياجها له، قبل أن يطعنها بخنجر الغدر الأخير، وينتشي بآلامها، ويمر بجبروته على جسدها وكأنها لم تكن قط جزءا من حياته.
تفكر، في استعذاب للألم، أنها ستقضي بقية العمر كلوحة الزيت الفارغة من المعنى، وعندما تتذكره ستستعيذ من ذكراه، وتلقي بقاياها في عمل وسهر ونصب، وستستغني بحياتها الخاوية عنه، ما هذا الوجع الممض في صدرها؟، هي لن تستسلم رغم كل شيء.. هكذا فكرت فتخلت عنها إرادتها بعد حين، وعادت إليه لتمتطي اعتذاراته المبتذلة، وتتبسم في رضا!.