"الوطن" على مائدة إفطار أسرة تعيش فى مركب صيد: "حلمنا الستر"
سعياً وراء الرزق اغتربوا، تاركين بيوتهم وأهلهم، فروا إلى القاهرة لعلهم يجدون فيها عملاً يضمن لهم حياة «مستورة»، ولكن ظل «الستر» حلماً صعب المنال، فى مراكب صيد صغيرة على شاطئ النيل يعيشون، وعلى سطح المراكب يعملون، ومن النيل يسترزقون، فأصبح النهر هو محور حياتهم وعملهم، وأصبح الصيد ميراث الآباء لأبنائهم، «الوطن» شاركت أسرة من أسر الصيادين الإفطار بداية من تحضيره حتى الانتهاء منه.
فى صف أفقى على شاطئ النيل أسفل كوبرى عباس تتراص المراكب الكبيرة بأضوائها الحمراء والزرقاء وفى مركب صغير ذى لون أزرق يكاد يماثل لون المياه من تحته، تجلس «آمال شِبل» سيدة فى الثلاثينات من العمر بعباءتها البنفسجية وطرحتها المقلمة، تجهز الإفطار لزوجها «على جمال» الصياد، وابنتها الوحيدة «وفاء»، محاولة تفادى النظرات الفضولية من حولها لأناس يبحثون عن مركب لتأجيره ساعة الإفطار، فى حين ينظف زوجها مركبه الكبير ذا المقاعد استعداداً لاستقبال الزبائن بعد الإفطار.
بابتسامة ذابلة وبريق حزين يشع من عينيها تقول آمال «أنا اتولدت هنا واتجوزت ابن خالتى (على) اللى كان عايش هنا برده، كل اللى عايشين فى المراكب من أهلنا، بس أصلنا من المنوفية وجينا القاهرة علشان ملقيناش هناك شغل فقلنا ندور على رزق فى مصر»، تضع آمال «حلة» بها بعض قطع اللحم مع البطاطس لتسويتها على موقد صغير بداخل المركب تاركة لناره الهادئة مهمة إنضاجه، ثم تكمل حديثها «إحنا بنصحى من الفجر وجوزى يروح يطلع يصطاد، ومن رزق بيع السمك يجيبلنا طلباتنا، ولما تحمى الشمس علينا وقت الضهرية بنتحامى فى مشمع نغطى بيه ظهر المركب، وفى الشتا البطاطين بتحل مكان المشمع، أما فى الليل فمفيش نوم لغاية السحور بسبب الشغل».
وعلى الشاطئ بالقرب من القارب، تلعب «وفاء» طفلة فى التاسعة من عمرها وهى البنت الكبرى والوحيدة لـ«آمال» مع «نبيل» ابن عمتها الذى يماثلها فى العمر ويجاورها فى السكن، ويحكى «نبيل» بعينين مبتسمتين «أنا ووفاء فى أولى ابتدائى بس المفروض نبقى فى تالتة اتأخرنا سنتين، وبنروح مدرسة بعيدة وبعدها بنروح الدرس» وبضحكة مشرقة تعكس روحه البريئة يتذكر بدايته فى تعلم السباحة قائلاً «جدى كان بيرمينى فى وسط الميّه ويلبسنى الجاكت ويقولى تعالى لوحدك فأنا أقعد أعوم لغاية ما أوصله وبعد كده مرة فى مرة بقيت باعرف أعوم لوحدى، وكمان بعرف أسوق المركب الكبير بس لسه ما بطلعش بيها لوحدى»، تقاطعه «وفاء» بمرح «وأنا كمان بعرف أعوم بس فايزة أخت نبيل عندها سنتين لسه صغيرة مابتعرفش تعوم ومرة وقعت فى الميه بس نبيل لحقها ومسكها عشان ماتغرقش».
وما تلبث «آمال» أن تنتهى من إعداد الطعام، حتى تنطلق أصوات الأذان من المساجد القريبة معلنة وقت الإفطار، فتنادى «آمال» الأطفال لتتجمع الأسرة على سطح المركب الأزرق الصغير غير عابئة بالأمواج واهتزازات القارب الصغير لتتناول إفطارها حول أطباق الأرز والمخلل والبطاطس واللحم والعصير، فيأكل كل منهم نصيبه، مستسلمين لنسمات الهواء الخفيفة التى تصيبهم من فترة لأخرى.
ينتهى الإفطار ويجلس «على جمال» رب الأسرة الذى يعمل فى صيد الأسماك نهاراً وعلى المركب النيلية ليلاً، على سطح قاربه ليشرب سيجارته ثم ينطلق بعدها لكسب رزقه واستقبال زبائنه وأخذهم فى نزهتهم النيلية الليلية المعتادة على المركب الكبير، تاركاً زوجته «آمال» تنظف منزلها الصغير وبعدها تجلس لتتسامر مع أخته، و«وفاء» ابنته تستكمل لعبها وأحاديثها الطفولية مع «نبيل» ابن عمتها.