السلطة فى دراما رمضان: فساد.. صراع قمع.. ثورة.. وأكثر من وجه للشرطة
مع اعتبار الفن انعكاساً للواقع الاجتماعى، اتخذت بعض مسلسلات موسم الدراما الرمضانية، هذا المنظور فى بنائها الدرامى، باختراقها لمجموعة من «التابوهات» التى كانت محرمة فى أوقات سابقة، أهمها مناقشة فكرة السلطة بجميع أشكالها، سواء بالتعرض للمؤسسات الحكومية، أو الأمنية، أو حتى فكرة السلطة فى شكلها المطلق والأعم.
ويتناول مسلسل «وش تانى»، علاقة رجال الأعمال بالسلطة الفاسدة، بالإضافة إلى طرح الوجه الآخر للسلطة من خلال ضباط شرفاء، وتطرق مسلسل «بعد البداية» إلى ممارسة بعض ضباط الشرطة للعنف، للوصول إلى مرادهم، من خلال شخصيتى خالد سليم وفاروق الفيشاوى، كما يقدم نبيل عيسى، الجانب الأكثر اتزاناً الذى يسعى لمواجهة تعديات وتجاوزات زملائه، كما يتناول مسلسل «العهد»، قصة غامضة تدور حول الصراع على السلطة، بداية من ثورة يناير حتى وصول السلطة الدينية لمقاليد الحكم، وهو ما تم طرحه بشكل رمزى، لا يمت للواقع بصلة من حيث الأحداث، ولكنه ملىء بالإسقاطات على شخوص وأحداث بعينها.
وأشار الناقد مجدى الطيب، إلى أن الدراما الرمضانية قدمت هذا العام معالجات ورؤى مختلفة لفكرة السلطة بشكل عام، ولرجال الشرطة بشكل خاص، وهو أمر مطلوب بشدة، ويعد ميزة مهمة خلقت تنوعاً فكرياً ودرامياً كبيراً، وقال: «هناك أعمال قدمت السلطة مباشرة، وعرضت العلاقة بين الدولة والشعب، من خلال ثورتى 25 يناير و30 يونيو، ورصدت جميع التغيرات السياسية من 2011 وحتى الآن، مثل مسلسل (أستاذ رئيس قسم)، للفنان عادل إمام، وعلى الجانب الآخر قدم مسلسل (العهد) فكرة الصراع على السلطة بشكل رمزى يحمل إسقاطات على الواقع السياسى، كما تطرق إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفى معالجة مختلفة قدم مسلسل (بعد البداية)، العلاقة المباشرة بين ممارسات الأجهزة الأمنية والمؤسسات الصحفية».[FirstQuote]
وأضاف «الطيب» لـ«الوطن»: «المسلسلات تقدم محاكاة للواقع بجانبيه السلبى والإيجابى، فعرض كواليس الشرطة كشريحة مهمة فى المجتمع المصرى، ووضعها كمحل انتقاد بسبب بعض الممارسات هو أمر طبيعى، ويجب أن يكون كل جهاز فى الدولة معرض للتناول أو الانتقاد اللاذع، والمكاشفة فى حالة وجود أخطاء به».
وعن أقرب المسلسلات التى جسدت واقع السلطة فى المجتمع المصرى قال مجدى الطيب: «مسلسل (بعد البداية) قريب من الواقع، ومسلسل (وش تانى)، قريب أيضاً ولكن بصورة أخرى، لأنهما قدما تناقضاً فى نماذج رجل الشرطة، سواء الصادق أو الفاسد بمعالجة موضوعية، فالواقع ليس شكلاً واحداً مسطحاً، ولكنه يحمل أبعاداً مختلفة، ويحمل صوراً متعددة وهو ما يسهم فى تقديم تناول متنوع».
وأكد الناقد أحمد شوقى، أن تناول السلطة فى مسلسلات رمضان، يأتى من منطلق فهم صناع الدراما للواقع، فمنها من قدم تحليلاً عميقاً للصراع على السلطة كما فى مسلسل «العهد»، ومنها من قدمها بصورة مبسطة على أنها سيئة وفاسدة فى عدد من الأعمال، ويأتى الشكل الثالث من خلال اللعب على «تيمة» المؤسسة الأمنية سليمة النوايا، ولكن ضعيفة الأدوات، مشيراً إلى أن صناع الدراما حاولوا من خلال الدراما هذا العام، تقديم صورة عن ثورتى يناير ويونيو، رغم أن أرشفة الثورات دور الصحافة لا الدراما.
وأشار الناقد محمد صلاح الدين، إلى أن الدراما هذا العام تناولت عدداً من المناطق الحساسة بجرأة، وعالجتها بعمق شديد، من بينهما اختراق المؤسسات الحكومية والسلطوية، من خلال شخصية أمين الشرطة الفاسد، فى مسلسل «حوارى بوخاريست»، الذى يشارك فى تجارة المخدرات أثناء خدمته.
وتابع «صلاح الدين» لـ«الوطن»: «لم يقتصر الأمر على الداخلية فقط، بل شاهدنا خلال مسلسل (أستاذ ورئيس قسم)، محاسبة الوزير ومحاكمته على أفعاله، كما تناولت ثورة 25 يناير بشكل مختلف، بدلاً من مهاجمتها طوال الوقت، بفضح عدد من الوصوليين الذين استغلوا الوضع للوصول إلى السلطة، خاصة فى فترة الحكومات المتعاقبة التى أطلق عليها ثورية وكانت مليئة بالفلول، وفضح المسلسل اختراق مجلس الوزراء، سواء من جانب الإخوان أو الفلول، وفى الوقت نفسه قدم مسلسل (بعد البداية)، سلطة الداخلية وعلاقتها بكبار الصحفيين فى بعض المؤسسات، وفضح علاقة جمعت السلطة التنفيذية بالسلطة الرابعة على أسس وعلاقات مشتركة».
وأضاف «صلاح الدين»: «تناول السلطة لم يقتصر على الحكومات فقط، بل امتد إلى السلطة الدينية من خلال مؤسسة الأزهر، الذى جاء بشكل عابر ولكنه اتسم بالجرأة فى التناول، وعلى الجانب التاريخى أظهر مسلسل (حارة اليهود)، اختراق الإخوان لعدد من مؤسسات السلطة، وكشف كونهم وراء خروج اليهود من مصر، وليس عبدالناصر كما يشيع البعض».
ورفض المخرج على عبدالخالق، المعالجات الدرامية المقدمة فى الموسم الرمضانى، والتى تتناول السلطة ورجال الشرطة قائلاً: «أنا ضد تصوير أخطاء رجال الشرطة فى الوقت الحالى، خاصة أنها مرحلة شديدة الحساسية، مع الاستهداف المستمر لهم من جانب قوى الإرهاب، كما أن أخطاءهم فردية لا يصح تقديمها على أنها ممارسات مستمرة من جهاز كامل، خاصة أن تلك التصرفات لا تقارن بأخطاء رجال الشرطة، فى دول مثل تركيا وأمريكا».
وتابع «عبدالخالق» لـ«الوطن»: «لم يتم تناول الدراما للثورة بشكل جدى، وهنا لا أقصد التحليلات السياسية، ولكن إلقاء الضوء على الحدث وسرد الوقائع، فهو موقف غير صحيح من صناع الدراما، لأنهم غير مدركين أن مصر فى خطر حقيقى، ولابد من تقديم أعمال تقدم جرعة وطنية بشكل إيجابى، فخط الدفاع الأول بالنسبة لأى دولة هو الفن، وبعدها يأتى الجيش والجنود فى الخط الأخير، لأن الفن والثقافة هما عمود الأساس لأى دولة».
وأشار الناقد نادر عدلى، إلى أن أعمال رمضان تناولت جانباً من السلطة، ظهرت فى «أستاذ ورئيس قسم»، برصد التغيرات التى حدثت من 25 يناير حتى 30 يونيو، ليبدأ من نهاية حكم «مبارك»، ويمر بالمجلس العسكرى، ثم «مرسى»، ورغم أن الثورة تناولت كل التغيرات فى المجتمع المعاصر وكانت حاضرة خلال الـ4 سنوات الأخيرة، إلا أن يوسف معاطى قدم رؤية خاصة، ظهر فيها رفضه لثورة يناير.
وأضاف «عدلى»: «فى مسلسل ألف ليلة وليلة، نرى السلطة المطلقة للملك، والمؤامرات التى تحاك ضده وضبطه للمملكة، ورغم الإطار الأسطورى، فإنه يعبر عن الرؤية التقليدية للحكم الملكى، ونجد فى «بعد البداية»، رصداً لعلاقة الإعلام بالسلطة، وتدخل أمن الدولة والمخابرات فى حياة الصحفيين، الذين يكتبون عن السلطة، بالإضافة لنماذج مختلفة للعلاقة، ونلمس خطورة تلك العلاقة من الموقف الأخير الذى حدث فى قانون الإرهاب، واعتراض نقابة الصحفيين عليه، فدائماً يبحث الصحفى عن درجة أعلى من الحرية، والسلطة تبحث عن وسائل تكبل الإعلام».
وتابع: «كل هذه الأعمال بها درجة مباشرة فى طرح فكرة السلطة داخل العمل الدرامى، وعددها هذا العام مناسب مقارنة بعدد المسلسلات، وطبيعة العلاقة أثناء مناقشتها تتوقف على رؤية المؤلف الخاصة، كما نرى أيضاً اختلافاً فى «حارة اليهود»، لشكل السلطة التى يمثلها المستعمر، أمام ضباط أحرار يريدون الخروج من دائرة الفساد الملكى، وكل هذه أشكال واقعية للسلطة حدثت بالفعل، ولكن كل كاتب يتناولها برؤيته الخاصة، والمهم فى درجة المعالجة: هل السلطة اللاعب الرئيسى فى الدراما التى نشاهدها، أم أنها مجرد خلفية للأحداث».[SecondQuote]
وقال الناقد محمود قاسم: «أعمال رمضان هذا العام عبارة عن تجسيد للسلطة بأشكال مختلفة، سواء كانت السلطة العليا وتتمثل فى النظام والسلطة السياسية، والسلطة السفلى، وتتمثل فى سطوة المال بما تحمله من ثراء غريب، يتجسد أيضاً فى سيطرة سلطة المال على عالم الجريمة فى أغلب المسلسلات، لتبدو كلها متشابهة، ونرى فى «بعد البداية»، صحفياً يواجه سلطة قوية، تتآمر عليه وتحاول تتبعه لتحصل على ما تريد، وسلطة أبسط فى مسلسل «بين السرايات»، تبدو فى عمل الفقراء، لنجد سيدة تقوم بمسح السيارات، تتحول إلى مالكة مكتبة، أو الشخصية التى جسدها الراحل سامى العدل، بجلوسه فى اجتماع «تزوير الشفرة» الذى عقده ملاك المكتبات بالحى، وقوله: «أنا هنا باعتبار ما سيكون»، وهو ما يشير لاستعداده وتربصه لنيل منصب ما، فالسلطة موجودة بكافة أشكالها وحتى بين الطلبة فى مسلسل «بين السرايات»، وفى «تحت السيطرة» سلطة أخرى وهى سلطة الحشيش والمخدرات، وتوافر أموال لشرائها، ويندرج هذا تحت سلطة المال.
ويرى المخرج مجدى أحمد على، أن مسلسل «أستاذ ورئيس قسم»، به تجسيد للسلطة ولكنه تجسيد غير عميق، وقال: «العمل قدم على طريقة يوسف معاطى، وعلى قدر ثقافته»، على عكس «العهد»، الذى يحاول بشكل غامض طرح فكرته، فى اللا مكان واللا زمان على هامش حكايات أخرى، و«بعد البداية» به ثمة فساد، ولكن ليس هناك عمل مباشر عن الإرهاب ولا عن السلطة.
وأضاف: «أرى أن غياب السلطة فى الأعمال بشكل مباشر، سببه أن الناس ما زالت تحتاج إلى أن تفهم ما يحدث حولها، وما زالت هناك حالة من البحث عن الاستيعاب، كما أن الجمهور «زهق» من «التوك شو»، ويريد أن يرى فى رمضان شيئاً مختلفاً، ولكن كل الأعمال قدمت «تسالى»، وأغلبها مأخوذة من أفلام أجنبية، فلم نرَ عملاً ثقيلاً هذا العام، يسيطر لدرجة الاستحواذ، وهو ما لا ينفى وجود أعمال جيدة ولكنها ليست كثيرة، ولم نرَ بينها مسلسلاً تعامل مع السلطة بالشكل السياسى المعتاد، وأرى أن هذا ليس مجال المسلسلات، لأنها تعرض بشكل يومى، ولا تناقش من خلالها أمور ذات طبيعة جادة، لأنها تفضل أن تتخذ شكل الدراما المنزلية، بخلاف السينما التى تستحوذ على تركيز الجمهور لمدة ساعة ونصف الساعة فى قاعة مظلمة بدون مقاطعة».
وقالت الناقدة ماجدة موريس: «المسلسل الوحيد الذى يجسد السلطة السياسية من بين كل الأعمال الرمضانية، هو «أستاذ ورئيس قسم»، الذى يقدم السياسة بشكل مباشر، فى محاولة لاستدعاء أيام 25 يناير، وتقديم شخصيات فاسدة، بجانب شخصية «فوزى جمعة»، وكيف استطاع الاحتفاظ بقوته رغم اعتقاله المتكرر، ومحاولة تلفيق قضية فساد له، كما يقدم المسلسل بدايات صعود الإخوان للحياة السياسية، والمسلسل وفق فى تقديم الشخصيات التى تحمل 20 وجهاً، والتى تعبر عن «عبده مشتاق» للسلطة والنفوذ فى أى عصر وزمن، وتقديم النموذج من خلال شخصية أستاذ الجامعة، كان موفقاً، خاصة أن ما يطرحه العمل يمس كل الطوائف والمهن أيضاً، لأن هناك من الأطباء والصحفيين من هم كذلك».
وأضافت: «أرى أن العمل كان موفقاً فى تقديمه لعلاقة جهاز الأمن بما يحدث فى الشارع، وأروقة السلطة، كما قدم تحليلاً جيداً للأحداث، وسلوك الشخصيات منذ ثورة 25 يناير، والتى ما زالت مستمرة حتى الآن، وتقديم فئات وشخصيات فاسدة فى مواقع متعددة، ونجد بطل العمل أصبح هذا جزءاً من السلطة فى لحظة، بعد أن كان معارضاً لها، وبعدها انتقل من جديد ليعود للمعارضة، وهو ما يقدم السلطة والصراع السياسى معاً».[ThirdQuote]
وتابعت: «وفى مسلسل (بعد البداية)، لا نجد تجسيداً للسلطة بشكل مباشر، وتدور أحداث العمل فى إطار غامض، لم نفهم منه سوى أن هناك رجلاً تطارده قوة ما، وتريد قتله والحصول على سر مدفون بداخله، وكنا نتوقع أن يكون الأمن هو المسئول، وعبر الأحداث اكتشفنا أن المسألة تغيرت، وتحولت الاتهامات لأشخاص آخرين لا نعرف هويتهم الحقيقية، وفكرة المسلسل مأخوذة من دراما أجنبية، لأنه صعب على رجل الشرطة المصرى، أن يتصرف بهذا الشكل، بذهاب اللواء المسئول للرجل المطارد، وإخباره بأنه ليس هو من يريد قتله، فنحن نحتاج إلى أعمال تحلل الموقف السياسى أكثر، وتقدم آفاقاً أكبر للناس حول ما حدث وما زال يحدث فى مصر، والغريب هو عدم وجود أعمال فى الموسم الدرامى، تعبر عن ظاهرة الإرهاب، لأن هؤلاء الذين تولوا الحكم عاماً كاملاً، ما زالوا حتى الآن يمارسون الإرهاب، ولم تلتفت الدراما إليهم».