محامى"مدينة نصر" ضحية الشرطة من"العناية المركزة": "هجيب حقى بالقانون"
أمام وحدة العناية المركزة بالطابق الثانى بمستشفى التأمين الصحى بمدينة نصر، جلس عدد كبير من أقارب المحامى محمد الجمل الذى أطلق عليه النار أمس الأول أحد أمناء الشرطة فى محكمة مدينة نصر، وقد كسا وجوههم الحزن والغضب، يجلس بعضهم على كراسى بلاستيكية والبعض الآخر يفترش البلاط، أمام باب العناية المركزة وقف هيثم أحمد عبدالحميد، شقيق المحامى محمد الجمل، منتظراً خروج الأطباء من الغرفة للاطمئنان على شقيقه بعد أن تم منعهم من رؤيته بسبب خطورة حالته.
والدته
يروى هيثم، مدرس اللغة العربية، تفاصيل المعركة التى دارت بين المحامين وأمناء الشرطة وسكرتير النيابة، ويقول بصوت غاضب: نشبت المعركة فى تمام الساعة الثانية ظهر أمس الأول أمام مقر النيابة بمدينة نصر بين شقيقى وثلاثة من زملائه المحامين بعد مشادة كلامية بين أحد زملائه وأمين شرطة كان يتعدى بالضرب المبرح على أحد المتهمين، وتطورت المشادة إلى ضرب وإهانة من جانب أمناء الشرطة والموظفين بالنيابة ضد المحامين، ما دفع شقيقى إلى الدخول لمكتب وكيل النيابة، ويُدعى أحمد توفيق وكيل نيابة شرق مدينة نصر، لإبلاغه بالمعركة التى تدور خارج مكتبه بين المحامين من جانب وموظفى النيابة وأمناء الشرطة من جانب آخر. ثم دخل سكرتير النيابة إلى مكتب وكيل النائب العام، وتعدى بالضرب على شقيقى محمد الجمل أمام وكيل النيابة الذى أبعدهم إلى خارج مكتبه قائلاً «اتصرفوا مع بعض بره»، على حد قول شقيق المحامى المصاب. أضاف هيثم: «بعد ذلك زادت حدة المعركة بين المحامين وموظفى النيابة وأمناء الشرطة، إذ أخرج أحد الأمناء سلاحه الميرى وضرب المحامين بظهره المعدنى، ما دفع المحامين إلى الهروب من أمامهم عبر سلالم النيابة، فى الوقت الذى كان يطلق فيه أمناء الشرطة الرصاص بشكل عشوائى على محمد شقيقى أثناء نزوله على السلم بسرعة، ما أدى إلى إصابته بطلقة اخترقت كتفه اليمنى وخرجت من الجانب الآخر، ما أدى إلى تهتك فى فصى الرئة اليمنى».
يتابع شقيق المحامى: «اتصلت بمحمد أخويا الساعة 6 المغرب عشان أشوفه اتأخر ليه، عشان وقت الفطار، فرد علىّ أحد زملائه وتقمص دوره وادعى أنه مشغول وسينهى عمله ويعود إلى المنزل فى محاولة منه لإخفاء الإصابة بالرصاص عن أسرتنا، لكن لاحظت تغير الصوت وطريقة الحديث، وساورنى الشك، وطلبت من والدتى الاتصال به مرة ثانية للتأكد من سلامته، وبعدها اضطر زملاؤه للإفصاح عن الحادث ثم انتشرت صوره على المواقع الإلكترونية لأخى وهو ملقى على الأرض غارقاً فى دمائه، وعندما أبلغت الأسرة بأننى سأتوجه إلى القاهرة للاطمئنان على محمد صرخت والدتى وأصرت على الذهاب معى، وتحركت الأسرة كاملة فى السادسة والنصف مساء من مركز أبوحماد بالشرقية حتى وصلنا فى الثامنة تقريباً إلى مستشفى التأمين الصحى بمدينة نصر، وبعد وصولنا رفض الأطباء دخولنا إلى غرفة العناية المركزة، ولم نره إلا ظهر اليوم التالى، بعد عدة ساعات أبلغنى الطبيب باستقرار حالته وأنه تجاوز مرحلة الخطر، وأن الطلقة تسببت فى تهتك للرئة، وتم إجراء عملية جراحية لوقف النزيف داخل الرئة».
وطالب شقيق المحامى وزير الداخلية بتحقيق العدل والقصاص لأخيه ولكل زملائه المحامين الذين تعرضوا للضرب وللإهانة أمس الأول، مشيراً إلى أن هذه الواقعة ليست الأولى قائلاً: «أخويا لو حقه مش هييجى بالقانون يبقى الله يرحم القانون وهتكون غابة»، منتقداً تصرف وكيل النيابة الذى سمح بالتعدى على المحامين فى داخل وخارج مكتبه، وقال: «محمد لم يصب بطلق نارى فقط بل أصيب بجروح قطعية فى قدمه جراء الاعتداء عليه بالسلاح الميرى قبل إطلاق النيران عليه، المعركة كانت عنيفة جداً».[FirstQuote]
وفى الواحدة ظهراً التقت الأسرة بالمحامى المصاب لأول مرة بسبب تعليمات الأطباء التى رفضت دخولهم إليه بسبب حالته غير المستقرة، وتحدث المحامى المصاب محمد الجمل «25 سنة» لـ«الوطن» من داخل غرفة العناية المركزة باقتضاب شديد وبصوت متعب جداً قائلاً: «هجيب حقى بالقانون، والمحامين زمايلى مش هيسيبونى، وأقول لأمين الشرطة: ما تفكرش نفسك مدير أمن، وما ترفعش سلاحك على المحامين والمواطنين».
وأضاف بصوت متعب: «لست نادماً لكونى محامياً، بل ما يغضبنى الآن هو أننى لم أحضر جلسات اليوم، فأنا أحب مهنتى جداً وأحب الدفاع عن نفسى وحقوق زملائى». وأنهى كلامه بعد أن تحشرج صوته بسبب إصابتة فى الرئة.
وفى زاوية متسعة من الصالة التى تقع خارج العناية المركزة جلست والدته تهز رأسها وتدعو الله أن ينجى ابنها ويخفف عنه وقالت بصوت حزين: «حسبى الله ونعم الوكيل فى اللى كان السبب، من صباحية ربنا أول امبارح وأنا قلبى واكلنى عليه وحاسة إن فيه حاجة، ولما أخوه كلمنى اتصلت بيه بسرعة، زمايله ردوا عليا، وصارحونى بالحقيقة، وجيت على المستشفى من الثامنة مساء وحتى الآن لم نتناول الإفطار أو السحور». وناشدت والدته الرئيس السيسى أن يتدخل من أجل الدفاع عن نجلها والقصاص له، قائلة: «الشرطة بتفترى على الشعب وبيضربوا فى الناس كأنهم عبيد، كانوا هيموّتوا ابنى، انضرب عليه أربع رصاصات ليه هو إرهابى، ولا مالوش دية؟»، مشيرة إلى أنها دخلت العناية المركزة للاطمئنان عليه وقال لها: «ما تسيبوش حقى»، لافتة إلى أن أنها تشجعه على مواصلة المهنة والدفاع عن المظلومين، وله شقيق يصغره فى كلية الحقوق لمزاولة المهنة والدفاع عن حقوق الناس والمظلومين.
والده
بعيون متورمة من فرط البكاء وفراق النوم، جلس والد المحامى القرفصاء أمام غرفة العناية المركزة، مرتدياً جلباباً أبيض يبرز سمرة وجهه الذى خط الزمن عليه معاناة الحياة التى كدح فيها داخل ورشة لحام «كاوتش»، تفوّه بكلمات قليلة قائلاً: «العين بالعين والسن بالسن والبادى أظلم»، مناشداً الرئيس ووزير العدل رفع الظلم عن المحامين حتى يستطيعوا الدفاع عن المواطنين، مطالباً بالقصاص العادل حتى يشعر المواطنون بالأمان داخل بلدهم، قائلاً: أنا هسيب زمايله المحامين يجروا ورا حقه، وواثق إن ربنا هيجيبلنا حقنا، ولو المحامين ما عرفوش يجيبوا حقهم بعد ما كل شوية ينضربوا ويتهانوا يبقى يقعدوا فى البيت أحسن ويبطلوا شغل».