م الآخر| سيناريوهان للحرب على "داعش"

كتب: د. صلاح هاشم

م الآخر| سيناريوهان للحرب على "داعش"

م الآخر| سيناريوهان للحرب على "داعش"

لا يعد أي تشكيل عصابي "إرهابيًا" إلا إذا شَكَّل ضررًا بالغًا على حياة الأفراد وأمنهم.. وكذا على استقرار المجتمعات وسبل نهضتها.. ويصبح "إرهابًا أسودًا" عندما يكفر المجتمع ويعلن الحرب على الدولة.. وأقوى التشكيلات العصابية هي تلك التى تتبنى قضايا مرتبطة بالدين أو بالدفاع عن الوطن.. نظرًا لما تتلقاه هذه التشكيلات من تعاطف ومساندة من أطياف شعبية عديدة، وربما من خارج مجتمعاتها. ففي الوقت الذي يصنفها البعض بأنها جماعة "إرهابية" يراها آخرون بأنها جبهة "وطنية".. فمثلًا "حماس" جماعة وطنية رغم خروجها على السلطة الفلسطينية نظرًا، لاستهدافها الدفاع عن الوطن الفلسطيني ضد المحتل الصهيوني.. و"داعش" التي يراها البعض جماعة "إرهابية" تراها أطياف "سورية" و"عراقية" بأنها جبهة وطنية تشكلت لـ"مقاومة" التمييز الديني والمد الشيعي في الشام والعراق، وربما في المنطقة العربية قاطبة، ولعل ذلك ما يبرر ارتفاع أعداد المشاركين بهذه العصابات من سوريا والعراق على وجه التحديد. ففي الوقت الذي بلغ فيه أعداد السوريين والعراقيين المنضمون لـ"داعش"، نحو ثمانين ألفًا، لم تتجاوز أعداد المصريين المنضمين إليه، عشرة آلاف، انضم معظمهم بعد عزل مرسي وسقوط دولة الإخوان. ونظرًا لطبيعة مجتمعاتنا العربية والتي تقوم ثقافتها على "القبلية" وتنحر في أواصرها "الطائفية".. يصبح التشكيل العصابي الديني تشكيلًا "هولاميًا" ربما يحتاج وقتًا أبرح لاستئصاله، حيث يسبح الإرهاب في دماء الطائفية، ويتستر ويتخفى في عباءة "القبلية"، وتجمع أعضاؤه وحدة الهدف، المقرون بالعقيدة الدينية المشوهة في ذهنية هؤلاء المتطرفين؛ مما يجعلهم لا يأبهون بـ"الموت"، بخلاف التشكيلات العصابية الأخرى التي هدفها "المادة".. يجتمعون عليها ويتفرقون من أجلها. ويظهر ذلك جليًا في موقف السلطان صلاح الدين الأيوبي حينما أرسل إلى زعيم الحشاشين "سنان شيخ الجبل" رسالة يهدده فيها بالإبادة.. فرد عليه "شيخ الجبل" برسالة قال له فيها: (وصلنا تهديدك فاصنع ما شئت.. فلا يمكنك أن تهدد بطة بأن تلقيها في النهر، وإذا تسلمت رسالتنا؛ فترحم على نفسك واقرأ عليها أول "النحل" وآخر "صاد"). وهنا تصبح السياسات "العقابية" التي تسلكها الدول في مجابهة الإرهاب ليست كفاية.. وأن انتهاج سياسات "إصلاحية" في كل قطاعات الدولة ربما يكون أداة قوية في منع "التفريخ" وقطع المدد..!! ومن ثم لا يصبح أمام الدول للقضاء على الإرهاب سوى السير في أحد "دربين" أو في كليهما.. الدرب الأول يتمثل في إحكام القبضة الأمنية من خلال رصد ومحاصرة البؤر الإرهابية، أيًا كان عددها؛ تمهيدًا لـ"دكها" عسكريًا مهما بلغت التكلفة.. مثلما فعل هولاكو بالحشاشين في فارس إبان القرن الثالث عشر الميلادي.. ولكن هل تستطيع الجيوش العربية أن تنتهج طريق "هولاكو"؟، خصوصًا وأن الإرهابيين يتخفون في عباءة الأبرياء ومساكنهم.. وأن قذائف الجيش قبل أن تسقط على بؤر الإرهاب ربما تجتث أرواح كثير من الأبرياء.. فيتهم الإعلاميون والحقوقيون الجيوش بالوحشية، ويُفتَح الباب على مصرعيه لممارسة ضغوطًا دولية و"تفريخ"، مزيدًا من الإرهابيين بدعوى مشروعة مفادها: مقاومة "الاستبداد".. وهنا السير في درب احتواء هذه العصابات الإرهابية والاعتراف "الصوري" بأهدافها وغض الطرف عن مخططاتها هو الطريق الأكثر أمنًا في القضاء عليها، فهو نفس الطريق الذي سلكه الظاهر "بيبرس" في إبادة الحشاشين في بلاد الشام، حيث تمكن من احتوائها وتسييس أهدافها حتى بات هو صاحب القرار في تعيين زعيم الحشاشين، وهو نفسه من يملك قرار إقالته.. وهو نفس الطريق أيضًا الذي سلكته الحكومة الايطالية والاستخبارات الأمريكية في التعامل مع عصابات المافيا هناك.. حتى باتت تلك العصابات هي المتحكم الرئيسي في الاقتصاد الأمريكي وهي في الوقت ذاته ذراع أمريكا الأقوى والخفي في التعامل مع خصومها داخليًا وخارجيًا. ورغم أن هذا الطريق يحمل مخاطرة كبيرة لا تقل عن الدرب الأول.. بيد أن الدولة لا تستطيع أن تسلك أي الطريقين دون أن يكون لديها "خطة" جادة لإذكاء الوعي الديني والسياسي، بشكل يضمن لها تكاتف الشعب مع الجيش في مواجهة الإرهاب.