قبل أن يصدح صوت الشيخ محمد رفعت بأذان المغرب ليضفى على الوجود سحراً خاصاً، بحوالى ثلث ساعة، يرتدى مصطفى شكرى الشاب العشرينى، جلبابه الأبيض المكوى بياقته المنشاة، ويتحسس جيبه للتأكد من وجود سبحته الرخامية البيضاء، وبين الحين والآخر ينظر إلى ساعته انتظاراً للموعد، للمرة الأخيرة يدرك أن هناك متسعاً ليرش «بارفاناً» مميزاً كان قد أوصى والده أن يحضره معه من السعودية أثناء أداء فريضة الحج، وما إن ينتهى مصطفى الذى يقطن بقرية القطا التابعة لمركز إمبابة حتى يتمتم بدعاء غير مسموع دلت عليه حركة شفتيه، ويبدأ فى التحرك ليهبط الدرج، تتصاعد رائحة الطعام المختلطة وتزاحم أنفه قادمة من المطبخ، فيمضى إلى الصالة بوقارٍ واتزان، ليجد عائلته ملتفة حول مائدة الإفطار العامرة بكل ما لذ وطاب من أصناف الطعام، وأباه ممسكاً بالمصحف، وقبل أن ينطق يرفع أبوه عينيه ويردد الأبوان معاً «روح يا ابنى.. ربنا يحميك»، ثم تزيد الأم قائلة بصوت مفعم بالحنان: «قلبى وربى راضيين عليك ومتنساش تدعيلنا عند أصحاب المقامات».
«من ساعة ما كان عمرى 8 سنين وأبويا بياخدنى للجامع فى كل صلاة، وكأى طفل فى السن ده مش عارف يعنى إيه صلاة، فبيقوم بنفس الحركات اللى بيقوم بيها أبوه»، لم يع وقتها الطفل أهمية الأمر، وأن علاقة ما على وشك التكوين والتوطيد لاحقاً ببيوت الله، لكنه مع مرور الوقت شعر بأن قلبه معلق بها، يرتاح إليها وفيها، ولهذا السبب قرر منذ عامين أن يصلى كل يوم فى مسجد جديد من مساجد القاهرة، مدينة الألف مئذنة، ويقول: «حلمى إن كل مسجد بصلى فيه يبقى شاهد على عبادتى ويشفعلى يوم القيامة بكده، وبعتبرها فوايد من كل ناحية أهى منها سياحة لزيارة المساجد العريقة والتاريخية دى، وفى الوقت نفسه سياحة روحية بدوق فيها طعم وروحانية وجمال وبهاء كل مسجد اللى بالتأكيد بيختلف عن غيره».
لم يؤثر مصطفى الدعة والخمول، ولم يكتف بأداء صلاة التهجد فى المسجد أو المساجد المجاورة لمنزله كما يفعل أقرانه، بل فضل ممارسة طقسه الفريد فى التردد على المساجد على أن يفطر مع أسرته، ويضيف: «أول يوم بس اللى بفطره مع الأسرة وبعدين بفطر فى الطريق على الواقف عشان ألحق، نظراً لأن بلدى بعيدة عن القاهرة شويتين»، يحافظ الشاب العشرينى على معدة غير مثقلة بالطعام حتى لا تؤثر على رحلته اليومية ونشاطه فى الصلاة، ثم يحرص فى خطته أن يختار مسجداً جديداً لم يسبق أن صلى فيه، ويركب إليه أربع مواصلات على الأقل.
نحو 53 مسجداً صلى فيها مصطفى خلال شهر رمضان العامين الماضيين فقط، من بينها «السلطان حسن، السيدة زينب، السيدة نفيسة، أحمد بن طولون، الحسين، النور، الأزهر، عمرو بن العاص، الرفاعى»، ثم يتوقف قليلاً عن الكلام قبل أن يقول «بحاول أنوّع فى كل مرة وبدوّر على أفضل مكان أرتاح فيه، ويكون صوت الإمام جميل عشان أستمتع بالتهجد»، ورغم أنه يقول إن المساجد كلها لله، فإنه مقتنع بأن «لكن الأزهر والحسين والسلطان حسن أكتر مساجد بحبها عشان الطراز المعمارى الفريد والتهجد فيها ليه طعم روحانى خاص مش ممكن يتعبر عنه».
لا تقتصر علاقة الشاب العشرينى، وهو العاشق والنهم للتاريخ، بالمساجد على حد صلاة التهجد فحسب، ويقول «أقرأ تاريخ المسجد وسبب تسميته والعصر اللى اتبنى فيه وأسلوبه المعمارى اللى بيعكس الحقبة الزمنية بتاعته»، ومن ثم فقد أصبح يمتلك قدراً كبيراً من المعلومات عن بيوت الله التى صلى فيها خلال الشهر الكريم، ويضيف: «مكنتش أعرف إن مئذنة جامع ابن طولون هى أقدم مئذنة موجودة فى مصر»، ثم يتابع بحماس: «دى سياحة عبر التاريخ العباسى والفاطمى والأيوبى والعثمانى بين صفحات المساجد اللى بتشم فيها ريحة الزمن القديم».
وعندما علم أصدقاؤه بنيته فى إتمام ألف ليلة تهجد دعوا له بوافر الصحة وطول العمر حتى إتمام حلم الألف صفحة بألف مسجد فى كتاب تاريخ القاهرة والروح «أصحابى بيسألونى كل يوم: معزوم على التراويح فين النهارده؟»، ثم يقول «بحس إحساس مختلف فى كل مرة، وقبل ما أبدأ الفكرة ظننت أن هتبقى صعبة بس ربنا بيعين»، ويتمنى فى الوقت نفسه أن يمهله القدر ليتم مشواره الطويل، ويختتم بالقول: «هحاول من السنا دى مخليش الموضوع مقتصر على التهجد عشان ألحق أكمل الألف، والمسألة مسألة وقت».
«مصطفى»: «من ساعة ما كان عمرى 8 سنين وأبوايا بياخدنى للجامع فى كل صلاة»