الوجه الآخر لمأساة "صيدناوي": ولاء وحكمت.. بطولة حتى "الشهادة"
على مدار سنوات طويلة تقاسمت «ولاء وحكمت» عضوا هيئة التمريض بمستشفى صيدناوى التابعة لمستشفى الزقازيق الجامعى اللقمة والضحكة والدمعة، وانتهت حكايتهما بتقاسم الشهادة فى مشهد بطولى نادراً ما يتكرر.
ترجع وقائع القصة إلى الخميس الثانى من يوليو الحالى حين بدأ أطباء وطاقم التمريض بغرفة عمليات مستشفى صيدناوى التابع لمستشفيات جامعة الزقازيق فى تجهيز مريضين لإجراء عملية بقسم العظام ارتدت الممرضتان ولاء أحمد غريب، 34 عاماً، وحكمت أحمد منصور، 35 عاماً، ملابس غرفة العمليات وخضعتا للتعقيم وكذلك اثنان من أطباء العظام وطبيب التخدير، انتهى الأخير من تخدير أحد المرضى ببنج نصفى بينما كان الآخر قد خضع لجرعة مسبقة تمهيداً لإجراء عملية جراحية، كانت الأمور تجرى فى ظروف طبيعية أقرب منها إلى الروتين اليومى لممرضتين مخضرمتين فى عملهما حتى حدث ما لا يمكن توقعه.
الممرضه ولاء وزوجها
شب حريق هائل بجهاز التكييف بغرفة العمليات وتصاعدت منه ألسنة الدخان تناثرت كرات اللهب وامتدت إلى مستلزمات العمليات من شاش وقطن أسفل الجهاز، حاول أحد الأطباء إطفاء الحريق باستخدام غطاء أحد الأسرة، ولكن محاولته باءت بالفشل وامتدت ألسنة اللهب إلى محيط غرفة العمليات وملأ الدخان الغرفة حتى منع الجميع من التنفس، أطلق الأطباء والتمريض صيحات الاستغاثة لعل وعسى، ولكن لا حياة لمن تنادى.
لم يعد هناك بد من الفرار، اتخذ أعضاء الفريق الطبى قراراً جماعياً بالنجاة بحياتهم من جحيم غرفة العمليات فى ظل اختفاء أبسط أدوات الأمان الصناعى فى المستشفى من أجهزة إنذار وإطفاء للحريق، هرول الجميع وتعالت صيحات طلبهم للنجدة ولكن «ولاء وحكمت» تمسكتا بالبقاء مع المريضين المخدرين اللذين لا يقويان على الحركة بسبب مفعول البنج الجزئى.
لم تخن «حكمت وولاء» قسم المهنة ولم تخلفا وعدهما للمريضين بمحاولة إنقاذهما حتى إن كلفهما الأمر حياتهما، وهو ما حدث بالفعل بعد أن امتدت ألسنة اللهب حتى طالت محتويات غرفة العمليات بأكملها وملأت أعمدة الدخان المبنى بالكامل حتى اختنق الجميع وفارق الأربعة الحياة.
«عندى سبع بنات وولدين، كانت أحنهم ساكنة جانبى تيجى هنا تقعد تتكلم معايا ونطبخ سوا وماتسبنيش غير على النوم، كانت طيبة وجدعة وختمت نص المصحف من أول رمضان لغاية قبل ما تموت بليلة واحدة رضايا ورضا أبوها، غيابها عنى صعب ولكنى احتسبها شهيدة»، هكذا بدأت الحاجة وفاء، والدة الشهيدة «ولاء» حديثها عن ابنتها الشهيدة بصوت يمنعه الدموع تارة ويقطعه لحظات طويلة من الترحم والدعاء للفقيدة تارة أخرى.[FirstQuote]
واستطردت قائلة تم تكريم الفقيدتين قبل وفاتهما بشهر فى الاحتفال بيوم التمريض، ولم تكونا لتمتنعا عن مساعدة أى مريض فى منطقة سكنهما، مشيرة إلى أنها عرفت الخبر عن طريق ابنتها الأخرى «نهلة» التى تعمل معها فى نفس المستشفى، ولكنها لم تكن فى العمل حينها كانت فى المنزل وأخبروها عن طريق الهاتف أن أختها بمبنى المستشفى المشتعل به الحريق.
أضافت «وفاء»: هرولنا جميعاً إلى مبنى صيدناوى حفاة، لم يكن هناك وقت لارتداء الأحذية، وجدنا الأمن يخبرنا أن الفقيدتين تم نقلهما إلى قسم الاستقبال بالمستشفى الرئيسى للجامعة، حاولوا منعنا ولكن أبناء عمومتهن وأزواج بناتى استطاعوا الدخول جرياً على السلم، وأنا ذهبت معهم حتى الدور الثالث وهناك فقدت الوعى، أزواج بناتى حكوا لى أنهم عندما دخلوا الدور الرابع الموجود به غرفة العمليات والتى شهدت الحادث بحثاً عن «ولاء» أضاءوا الطرقات باستخدام الهواتف نظر أحدهم إلى شىء تعثرت به قدمه وعندما دقق النظر وجد جثة ولاء فقام بحملها والذهاب بها إلى مستشفى الجامعة.
تساءلت الأم المكلومة «كيف لم تجد ولاء من يسعفها، هى دى آخرة 17 سنة خدمة فى المستشفى دى، الإسعاف مافيهاش أى استعدادات ولا جهاز تنفس حتى، الدكتور حاول يعملها تنفس صناعى بس هى كانت واصلة ميتة مع المريض اللى كان بيعمل عملية فى رجله وصاحبتها مع المريض التانى».
واستطردت الأم «عندما ذهبنا بها إلى المشرحة كان ينتظرنا إهمال جسيم؛ لا توجد ثلاجات لحفظ الموتى حتى التكييفات بالمشرحة لا تعمل مفيش مراوح مفيش تكييفات، أرسل زوج ولاء إلى أخته فى طلب أربع مراوح وذهب الأهالى إلى أكوام القمامة لإحضار أوراق وكرتون لتهوية الجثث»، بكت الأم قائلة «فين بقى العدل، كان نفسى تفضل موجودة تربى أولادها الثلاثة، كانت تقول لابنها الأكبر أدهم نفسى أشوفك دكتور، نفسى يقولوا الممرضة أنجبت دكتور».
وبعد الحادث عرفنا أن إدارة الصيانة قدمت أكثر من شكوى بسبب مشاكل فى دوائر الكهرباء ولم يعرها أحد الانتباه وأنهت الأم حديثها الباكى قائلة «التمريض رخيص فى البلد دى، حق التمريض ضايع، أنا احتسبتها عند الله شهيدة، كانت أختى وبنتى وصاحبتى، ماحدش حاسس بالنار اللى فى قلبى علشان خاطر بنتى، وحسبى الله ونعم الوكيل فى اللى كان السبب، يا رب يصبرنى على طول غيابها».[SecondQuote]
أدهم نجل الشهيدة «ولاء» قال لـ«الوطن»: «أنا أدرس فى الصف الأول الإعدادى، نجحت بمجموع 99.5% أمنيتى أن أكون طبيباً، أمى كانت تتمنى أن أصبح طبيباً وسأحقق لها ما تتمنى بعد ما سمعت خبر وفاة أمى حزنت ولكن أشقاء أمى وأهلى أخبرونى أنى أصبحت رجلاً وأنى الكبير وأخبرونى أن أمنع المحيطين بى من البكاء على والدتى، ولكنى بكيت لأنى افتقدت أمى».
«أنا شغالة ممرضة فى نفس المستشفى (صيدناوى) بقالى عشر سنين فى قسم الأطفال، مفيش أى إمكانيات عندنا وحتى طفاية الحريق اللى موجودة فى المستشفى إحنا مش متدربين عليها، وحنفية المياه للحرائق عطلانة علشان مفيش ميه، المطافى جت مفيش سلم يطلعوا عليه، ماحدش طلع يجيب أختى من اللى شغالين معانا، كله خاف على نفسه» هكذا بدأت نهلة أحمد غريب شقيقة «ولاء» طرفاً آخر من قصة استشهاد أختها قائلة: كان من المفترض أن يقوم شخص بفصل الأكسجين من المواسير وهو ما ساعد على اشتعال الحريق، ولكن لم يتذكر أحد زملائى، أخبرونى أن أختى ولاء هى من فصلت التيار الكهرباء عن الدور فى بداية حدوث الحريق، وقالت «نهلة» إن المطافى لا يوجد بينها وبين المستشفى أكثر من 10 دقائق ولكنها جاءت بعد نصف ساعة.
صبت «نهلة» جام غضبها على إدارة المستشفى قائلة، «أهم حاجة عندهم الكراسى والمناصب، وعندما كنت أقوم بالإضراب وقت إضراب الدكاترة وكنت أخبر أختى ولاء بضرورة المشاركة كانت ترفض بدعوى أن لديها مرضى مسئولين منها، ولكنها كانت تشجعنى قائلة انزلوا انتوا يمكن تجيبوا حقنا، لكن شقيقتى كانت موجودة فى العمليات لم تتأخر عن أى شخص طوال عمرها».
تذكرت «نهلة» دعابتها لشقيقتها قائلة «كنت ماشية معاها وبقولها والله الواحد خايف قنبلة تفرقع فيه من اللى بنسمعه ده، ضحكت وقالتللى هو انتى تطولى تموتى شهيدة وانتى رايحة شغلك، ولكنها سبقتنى إلى الشهادة أثناء عملها».
«ماكانتش مراتى دى كانت أمى وصاحبتى وأختى» بتلك الكلمات الباكية روى محمد صالح، زوج الشهيدة «حكمت»، وأم أطفاله الثلاثة، قصة استشهادها قائلاً: «يوم الوفاة تناولنا وجبة السحور معاً وظلت تقرأ القرآن حتى شروق الشمس، ارتديت ملابسى وذهبت لعملى جاءتنى مكالمة فى الـ5 عصراً من ابن عمى أخبرنى أن زوجتى تريد رؤيتى بالمستشفى لأنها مصابة هرولت للمستشفى، كنت أعتقد أنها حادثة بسيطة، دخلت للمشرحة وجدت أنها جثة هامدة مغطاة».[ThirdQuote]
يبكى متذكراً معاملتها وطيب عشرتها قائلاً: «عندما كنت أمرض كانت تدبر مصاريف العلاج فى الخفاء» يبكى مرة أخرى قائلاً «والله العظيم مش عاوز أنام فى البيت ده ولا طايق أعيش فيه من غيرها، أنا ميت من غيرها»، واستطرد «صالح» قائلاً «الإنسان مالوش قيمة فى بلده ولا له قيمة عند حد، يعنى هى شغالة فى مستشفى وحصل عملية اختناق فى المستشفى، مفيش حد عارف يخش ينقذها، ده إحنا هنا فى البلد لو حصلت حريقة تلاقى كل البلد داخلة على البيت علشان تنقذه لكن دى مستشفى حكومى، هى تتخنق تترمى ماحدش يسأل فيها، دكتور البنج يسيبها ويمشى، مفيش حد بينقذ حد فى البلد دى، مستشفى فيها إهمال، مفيش حد بيسأل، كل واحد عمال يصور من تحت ومفيش حد طلع ينقذهم ربنا يرحمنا برحمته».
حاول «صالح» مغالبة دموعه مرة أخرى متابعاً «لا يوجد من ينال حقه فى بلادنا لا يوجد لنا ثمن، لك أن تتخيل أنه بعد الحريق ركبت إدارة المستشفى جهاز تكييف جديد وكأنهم كانوا منتظرين الحريق».
أضاف «صالح»: «زوجتى وولاء كانتا أكثر من الأشقاء واختارتا الموت، كانت دائماً تقدر أنى مريضاً بالكبد، الآن لدى 3 أولاد فوق مرضى لأعولهم، ذهبت للمقابر بعد ما دفنت حكمت قرأت لها الفاتحة ومكثت بجانبها كنت أريد الموت بدلاً منها كانت ستربى أطفالى أحسن منى».
بكى «صلاح» نجل «حكمت» كثيراً فى بداية لقائه بـ«الوطن» قائلاً «أنا أفتقد أمى بشدة، كانت تخبرنى بضورة التفوق فى دراستى حتى تفرح بى لكنها لم تر هذا»، يبكى بشدة متابعاً: «والله وحشتينى يا ماما يا رب زى ما حرمتنا منها خللى بالك منها وخليك معانا».
أكد الدكتور أشرف الشيحى رئيس جامعة الزقازيق، أن الجامعة ستصرف إعانات مالية لأسر الممرضتين اللتين توفيتا أثناء اشتعال النيران بمستشفى صيدناوى، لافتاً إلى أنه تم اتخاذ قرار بصرف تعويض يقدر بنحو 50 ألف جنيه، وسيتم تنفيذه خلال أيام عقب اجتماع مجلس الجامعة، وللتأكيد على أن الجامعة لا تتخلى عن أبنائها.
وأضاف «الشيحى» لـ«الوطن»، أنه قرر إطلاق اسم الممرضتين «ولاء غريب، وحكمت السيد»، التابعتين لهيئة التمريض بعمليات مستشفى صيدناوى بالزقازيق، واللتين توفيتا أثناء الحريق، على قطاع تدريب التمريض بالجامعة تكريماً لهما، لعدم تركهما المرضى داخل العمليات رغم اشتعال النيران بالمبنى، مشيراً إلى أنهما ضربتا المثل والقدوة فى تأدية عملهما والإخلاص فيه، إضافة إلى عدم تخليهما عن واجبهما الإنسانى.
ولفت «الشيحى» فى تصريحاته لـ«الوطن»، إلى أن الممرضتين ماتتا نتيجة الاختناقات وليس الحرق، مؤكداً أنهما رفضتا ترك مريضين أثناء إجراء عمليات جراحية لهما، وخضوعهما للتخدير، وحاولتا إنقاذهما إلا أنهما توفيتا مع المريضين إثر إصابتهم باختناقات، مشيراً إلى أن الدخان كان كثيفاً للغاية.
وأكد رئيس جامعة الزقازيق أنهم فى انتظار تحقيقات النيابة، لمعرفة الأسباب الحقيقة للحريق ومحاسبة المقصرين، والتعامل فى ضوء الأسباب، مشيراً إلى أن الترجيح الأكبر لنشوب الحريق يرجع إلى ماس كهربائى نتيجة الضغط الزائد والتحميل الكثيف على الأجهزة الذى تسبب فى حدوث الحريق. وأشار «الشيحى» إلى أنه كان هناك تعاون بين المطافى ووزارة الداخلية للسيطرة على الحريق، لافتاً إلى أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة، حال انتهاء النيابة من تحقيقاتها.
يشار إلى أن الحريق الذى نشب بمستشفى صيدناوى بمستشفيات جامعة الزقازيق، أسفر عن وفاة ممرضتين ومريضين، إثر إصابتهم بحروق واختناقات.