"الوطن" في منزل أصغر شهداء الجيش.. ووالدته: "الضنا غالي بس الوطن أغلى"

كتب: أمينة مجدي

"الوطن" في منزل أصغر شهداء الجيش.. ووالدته: "الضنا غالي بس الوطن أغلى"

"الوطن" في منزل أصغر شهداء الجيش.. ووالدته: "الضنا غالي بس الوطن أغلى"

يرتفع آذان المغرب، المائدة جاهزة وكاملة العدد، إلا موقع واحد، تسمع الأم طرقات على باب المنزل، تنطلق نحوه سريعًا ولسانها يردد: "إسلام جه"، وما إن ينفتح البابا، حتى تجد الأم لافتة من الجرانيت مكتوب عليها "هنا منزل الشهيد إسلام أيمن"، تغلق الأم المكلومة الباب، وتعود إلى المائدة وهي تحاول إخفاء دموعها، بعد أن سكنت حركة أبنائها الثلاثة، ونهض الأب من مكانه متوجها بالدعاء إلى ربه، عله يجد راحة لقلبه في سجدة بين يدي الله. يقترب "أسامة" الشقيق المقرب من "إسلام" إلى والدته، يمسح دموعها وهو يردد: "متزعليش يا ماما.. إسلام عند ربنا شهيد.. والشهداء مبيموتوش.. وأنا عند وعدي هجيبلك حق اخويا.. بس ادعي انتي صايمة ان ورقي يقبل في التطوع مكان أخويا". كلمات الابن تشبه كثيرا "الدواء المر"، الذي عصف بقلب الأم صباح محمد والدة الشهيد إسلام أيمن، ابن مدينة الشهداء بمحافظة المنوفية، الذي لقي ربه أثناء مشاركته في عملية هدم الأنفاق، على الشريط الحدودي لرفح أثناء محاولة إنقاذ زملائه، إثر انهيار النفق عليهم، ليلفظ أنفاسه الأخيرة هو الآخر معهم. تتذكر الأم يوم أن ودعها ابنها الأكبر متجها إلى وحدته العسكرية في سيناء، وتوسلاتها له بأن يخفي هويته العسكرية خوفا من تعرضه للتنكيل من قبل الجماعات الإرهابية، توسلات الأم التي واجهها "إسلام" بابتسامته الهادئة قائلا: "متخافيش يا أمي.. إحنا رجالة.. إدعيلي أنا وزمايلي بالنصر". "جاء رمضان ولم يأت إسلام كما وعدني".. كلمات خرجت من السيدة الأربعينية، بنبرة يملؤها الحزن، قبل أن تواصل حديثها، "أول رمضان رحت زرته في قبره وقعدت معاه شوية.. كنت بحلم بيوم فرحه لأنه ابني البكري، بس الحمد لله ربنا أنعم عليا وكانت جنازته زفة، شهد بيها كل من حضر وكأنه جاي يبارك مش يعزي". [FirstQuote] السبت 18 أكتوبر 2014، تاريخ حفر في ذاكرة الأسرة وقلب الأم، فهو اليوم الذي تردد صدى صوت إسلام على مسامع والدته للمرة الأخيرة، قبل أن يسكن صوته للأبد، تتذكره الأم قائلة: "اليوم ده عمري ما هنساه أبدا.. أول مرة إسلام يكلمني الصبح حسيت صوته رايق وكان مبسوط.. قاللي أنا صليت وهنروح نهد نفق وراجعين.. قلتله خلي بالك من نفسك يا إسلام.. رد عليا وطمني ربع ساعة وراجعين.. بعد كده قفل بسرعه على صوت زميله بيقوله الحفار جاهز". مرت الدقائق بطيئة قبل أن تشير عقارب الساعة للثانية ظهرا، لتلقي الأم الهاتف في حركة لا إرادية، مرددة "إسلام مات.. إسلام مات"، كلمات الأم ترجمتها دموع الأب، الذي التقط الهاتف ليتلقي الخبر "والد إسلام.. شد حيلك إسلام استشهد". استشهاد الابن الاكبر كان الدافع وراء تصميم والدته على إلحاق ابنها الثاني "أسامة" الشقيق الأصغر لأسامة، للتطوع بالخدمة في القوات المسلحة، تقول الأم بصوت يخنقه الدموع: "قدمت لابني الثاني بإيدي، ورحت بنفسي ألماظة، كنت واقفة في عز الحر بتخيل إسلام وهو بيتحرك في المكان اللي نفسي اخوه يكمل مكانه، إحنا لا خايفين من أنفاق ولا إرهاب ولا حماس، لو هنخاف يبقي الموت سترة لينا، الضنا غالي لكن مش أغلى من البلد، كلنا هنروح وهي اللي هتبقى". لا يختلف حال الأب عن زوجته، فالوالد الذي طالما حلم باليوم الذي يكبر فيه ابنه، ليكون السند والعون، لم يتخيل أنه سيأتي اليوم الذي يحمل نعشه إلى مثواه الأخير، لحظات من الصمت المرير تمر على الأب، قبل أن يقول: "إسلام كان شاب زي الورد، بيحب كرة القدم وكان حارس مرمى لأشبال المقاولين العرب، لكنه فضل يلتحق بالجيش على إنه يكمل طريقه في كرة القدم، كان دايما يقول البلد محتجانا حراس على ترابها في الصحراء مش في مرمى وبساط أخضر"، كلمات الابن الذي استدعاها الأب مع كل تفاصيل جمعته بابنه، جعلت لسانه لا يتوقف عن الحديث معه في نعشه: "يا ريتني كنت مكانك يا ابني، خفت عليك وانت صغير كنت فاكر نفسي بحميك قبل ما اعرف إن انت اللي حاميني". رحل إسلام قبل أن يكمل عامه الثامن عشر، تاركا قلب والدته يشتعل غضبا كلما رأت حقيبته وزيه العسكري، لتعد العدة عازمة على تجهيز الشنطة الأخرى لأخيه، وكأن استشهاد فلذة كبدها شقت في قلبها نهر من العطاء والتضحية بكل غالي ونفيس، في سبيل كرامة وسيادة وطن، وبقي والديه يدعوان الله أن يلحقهما بابنهم بعد زيارة لبيت الله الحرام، ليسألوا الله القصاص لابنهما وكل شهيد سقط فداء لوطنه.