م الآخر| من حسناء الحي؟

كتب: حسن عبدالجليل

م الآخر| من حسناء الحي؟

م الآخر| من حسناء الحي؟

لم تستطع أشعة الشمس اختراق حيها الذي تشبع بالحواري والأزقة، الحي كان أقرب للمتهالك، تعرجات بطرقه وحواري وأزقة وأناس لا يشبهنها تلك كانت أبرز معالم حيها العتيق، إلا أن وجودها فيه أكسبه رونقا وبهجة لا تعتريك إلا في حضرتها، قبل 3 سنوات كان الشاب العشريني قد تخبط في دنياه المتعثرة حتى كادت أن تقضي على ما تبقى بداخله من أمل. استقر به الحال في قاهرة المعز بعدما أنهى تعليمه الجامعي في صعيد مصر حيث يقطن وعائلته ولم يسعه القدر ليكمل قصة حياته حيث ولد، فانطلق في دنيا الله الواسعة لم يكن يدري أن قلبه المتألم سيزداد ألما وبؤساً بعدما تخترق حصونه المنيعة تلك القاهرية المتعجرفة، فمن لم تثنيه امرأة لم تكن لتثنه طفلة "في نظره". أمام منزلها وقف بمحض صدفة بحتة، لينال أول نظرة تخترق صدره المتأزم من لهيب الحب كانت أول سهام حبها المشتعلة، لم يكن يدري وقد قارب على الثلاثين من عمره أن من لم يتخطَ عمرها الثامنة عشر عاماً قد تصبح عشقه وعذابه، داءه ودواءه، ناره والماء التي بيدها تستطيع سكبها لينطفئ عذابه، كانت ضدين معاً ضدين أحبها بهما وتمناها على استحياء. لاح في الأفق بهجة ملامحها الأخاذة وخطاها الواثقة وكبريائها الذي اعتلى جبينها بعدما قطبته، وتمردها الذي بات يجري مع كل قطرة دماء سارت داخل شرايينها، اخترقت رأس الحي الذي اعتادت السير فيه برفقة إحدى شقيقاتها أو بدون، نظر لها ولم يكن قد استطاع بعد أن يحدد ملامحها إلا أن خيلاءها وتمخترها كمهر جموح لم يكن مُبهمًا كبعض ملامحها، انطلقت خصلات شعرها المهذب في التطاير بعدما تخللته بعض نسمات هواء عذبة، ما زادها بنفسها عزة وغرور. بدأت في الاقتراب لتظهر أنثى دون الثامنة عشرة عامًا متوسطة القامة ممتلئة القوام بعض الشيء ووجهها دائري زُين ببياض ناصع، عينان سوداوان وشعر مهذب منطلق العنان كصاحبته، كانت قد ارتدت بنطالاً وتي شيرت. كان واقع نظراته لها حينما اقتربت شيئاً فشيئاً كسكير أُثقل عقله ولجّم لسانه وثقُلت قدماه فظل حيثما كان ولم يعقب، لم يكن ذلك طبيعياً لم يدر ما حدث إلا أن قلباً كان كبيت خرب دبت فيه الحياة من جديد بعدما ألهبته سهام عينيها ولم تبالِ، استدار فقط لأنها كانت تخطته لينظر بعينين ثاقبتين أي المنازل تقطن "حسناء الحي"، بعنفوان شبابها المتأجج اخترقت المنزل الكائن هو أمامه ليستعيد بعدها طاقته من جديد. نظر لأحدهم بتلقائية لم يعهدها من قبل وسأل، من حسناء الحي؟ ومن التي أنجبت هالة النور هذه، ومن الأب الذي امتلك بعد السنين العجاف فيض الخلاّق الذي منّ عليه بكرمه وسخائه بالمتعجرفة صاحبة الملامح الوضاءة، صبراً، كانت إجابة أحدهم له ليتمالك نفسه ويستعيد ما أفقدته للتو من جمال مرورها، أغمض عينيه بعدما تملكه الصبر شيئاً يسيرا غاب عن الدنيا والوعي بعدما تعلق قلبه وعقله بغرفتها فراح يعشقها كما هي ضحكا معاً ولعبا معاً أنقذها بـ"شهامة ابن الأصول" مرات عدة ممن يقصدون وجهتها علهم ينالون من عبقها نسيما، امتزجا ببعضهما حتى صارا كياناً واحداً صار لهما نفس الفؤاد وأصبحت خطاهما واحدة. "إنت رحت فين"، كان صوت أمه قد ناداه من أقصى الصعيد ليفيق من زيف حلمه منقبض الفؤاد، تمنى لو تركته ليكُمل حلمه بعدما وجد نفسه لم يتخطى الواقع خطوة واحدة للأمام، "ده لا يمكن يحصل"، لم يتركه أبوه أو يتخلى عنه رغم وفاته فجاءه صوته الخشن يحذر كما عهده من قبل، انقسم فؤاده واشتعلت به نيران الفرقة، راح يسأل نفسه ماذا عن عاداتي وتقاليدي عن أهلي عن نصح أمي ونداء أبي عن أشقائي الذين يكبروني سناً، ثم يهدئ من روعه بعض الشيء ويسأل، كيف يقُتحم قلبي هكذا ومن هذه التي هزت كياني وأنا من لم تثنيه الصعاب، كيف لنظرات تلك القاهرية أن تخترق قلبي وترفع رايات النصر على ما تبقى منه من حطام، وكيف لذاك القلب البائس أن يعود ليغامر من جديد مع تلك المجهولة، كيف أُحبُها بتلك البساطة بعدما مرت عليّ كعود مسك اشتعل واخترق طيب ريحه رئتاي ليملئهما عشق خفي. هي أصغر أشقائها الأربعة، أكثرهن تمرداً، أكثرهن للحياة عشقاً، بسيطة رقيقة لا تبالي بالقيل والقال، فتحيا كما تريد وتفعل ما تراه صواب، وبغير ذلك لا تعبأ ولا تكترث لأحدهم، والأهم أن قلبها يملكه أحدهم، صُعق وأفاق من حلمه الجميل ولم يتصدى لعاداته وتقاليده ولبى نداء أبيه وأمه، كان ذلك بعد أن ردد أحدهم على مسامعه تلك الكلمات المقتضبة بعد أن حمّله بالصبر حتى لا يطيل على نفسه طريق العذاب، لملم ما تبقى من أمل في جعبة صبره ورحل بغير رجعة.