رحلة العودة إلى "الجنوب": وجوه تبحث عن العودة للأسرة "بأى وسيلة"
وجوه فرحة، مترقبة تقف أمام مكتب تذاكر شركة أوتوبيسات «الصعيد للنقل والسياحة»، لحجز تذاكر السفر إلى الوجه القبلى لقضاء إجازة عيد الفطر بعد تعذر الحصول على تذاكر القطارات بسبب الزحام الشديد، يقفون فى طوابير منظمة، كل حسب محافظته، فعلى اليمين يوجد الشباك المخصص لتذاكر أسوان وإدفو والبحر الأحمر، وعلى اليسار شباك محافظات بنى سويف، والفيوم والمنيا، أما الشباك الأوسط فهو لأسيوط، وسوهاج، والأقصر، فى حين يجلس آخرون على مقاعد الاستراحة الموجودة بالقرب من شباك التذاكر فى انتظار موعد انطلاق حافلاتهم، حول هؤلاء يحوم الباعة المتجولون، ينادون على بضائعهم فى إلحاح لشراء الجرائد، والمناديل، وسماعات الموبايل، مشهد يومى بداخل موقف عبود لكنه مختلف فى هذا الوقت بسبب زحام موسم العيد والاتجاه نحو الجنوب. رصدت «الوطن» رحلة السفر إلى الصعيد فى أحد أوتوبيسات الوجه القبلى، واستقلت معهم الحافلة، وتابعت أحوال المسافرين الذين يتكبدون مشقة السفر من أجل الفوز بلحظات سعيدة مع الأقارب والأسرة بعد قضاء شهور فى العمل والشوارع المزدحمة.
مسرعاً يحاول حنفى محمود، رجل خمسينى، موظف بشركة مقاولات بالقاهرة، أن يحجز تذكرة للأوتوبيس المتجه إلى محافظة سوهاج، يقف فى طابور طويل، حاملاً حقيبته حتى يأتى دوره، ويخرج 70 جنيهاً من جيبه، ويحصل على التذكرة أخيراً بعد فترة وقوف طويلة، يعطيه الموظف تذكرة بنية اللون، خُط عليها رقم مقعده، ورقم الأوتوبيس 531، يأخذها ويتجه نحو مقاعد الاستراحة حتى يأتى موعد الانطلاق، ويقول: «أنا أصلاً من سوهاج وبشتغل فى القاهرة وبنزل البلد كل شهر وفى الأعياد علشان أقضى العيد مع مراتى وبناتى وأزور بنتى المتزوجة وأديها عيديتها».
تمر عدة دقائق فينادى كمسرى الأوتوبيس رقم 531: «اللى رايح سوهاج طالع»، فما إن يسمع حنفى محمود النداء حتى يهب واقفاً من على مقعده ويحمل حقيبته إلى الأوتوبيس، ويقول مبتسماً: «أنا لازم أحضر العيد فى سوهاج، العيد هناك له طعم تانى، بشوف الناس اللى ما شفتهاش من زمان، المشوار بعيد صحيح وركوب الأوتوبيس صعب شوية والقطر أحسن منه بس نعمل إيه المضطر، ومفيش غير عيد واحد السنة اللى فاتت مقدرتش أحضره مع أهلى لأنى كان عندى مأمورية تبع الشركة فى الجزائر رجعت منها تانى يوم العيد».
أمام الأوتوبيس يقف المسافرون حاملين أمتعتهم استعداداً لوضعها فى الجزء الخاص بها أسفل الأوتوبيس، ممسكاً بطبشور أبيض يرقم السائق الشنط برقم مقاعد أصحابها حتى يسهل التعرف عليها عند الوصول منادياً: «اللى رايح مركز سوهاج، والمراغة الشنط جوه خالص وطما وطهطا على الوش»، بعد الانتهاء من ترتيب الأمتعة يحث السائق المسافرين على الصعود استعداداً لبدء الرحلة.
ينطلق الأوتوبيس فى هدوء، وتكسو الابتسامة ملامح المسافرين الذين يشتاقون لرؤية أقاربهم فى العيد، على أحد الكراسى الأمامية فى الأوتوبيس تجلس إسراء عصام، طالبة بالفرقة الثانية بكلية التكنولوجيا والتنمية، لتقرأ الأذكار: «اللهم أنت الصاحب فى السفر والخليفة فى الأهل»، تستعد لرحلة الـ7 ساعات بمشاعر الفرحة والاشتياق لعمتها المقيمة فى الصعيد، التى تلتقيها مرة كل عام، يشوبها بعض القلق بسبب سفرها بمفردها لأول مرة.